منذ أشارت التقديرات الأولية لنتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية إلى فوز المرشح الديموقراطي جو بايدن على منافسه الجمهوري والرئيس الحالي دونالد ترامب، توالت التعليقات والتحليلات حول التغيرات المنتظرة في السياسة الأميركية داخليا وخارجيا. وفيما هو منشور ومذاع باللغة العربية تجد قدرا كبيرا من الشطط، من قبيل أن بايدن سيعيد سياسة أوباما أو أن الديموقراطيين سيدعمون ما تبقى مما سمي الربيع العربي.

ليست هناك مفاجآت في فترة رئاسة جو بايدن، رغم أنها ستكون في الأغلب مجرد "مضاد ترامب" أي لا إبداع فيها ولا ابتكار إنما محاولة تعديل بعض أثر ترامب. فما فعله الرئيس الآتي من خارج المؤسسة السياسية والبيروقراطية الحكومية، وطريقة إدارته للأمور، أحدث هزة هائلة في مؤسسات الدولة تحتاج إلى جهد لا يتصور أن إدارة بايدن قادرة عليه.

أما التهليل الإعلامي لفوز امرأة، وملونة، بمنصب نائب الرئيس للمرة الأولى فهو أمر مثير للقلق. غالبا ما يكون أمثال هؤلاء "أكثر كاثوليكية من البابا"، كوزيرة داخلية بريطانيا مثلا الأكثر عنصرية تجاه فئتها من المهاجرين من بقية حزب المحافظين اليميني الذي تنتمي إليه، أو مثل نائبات الكونغرس العربيات أو المسلمات في كونهن أكثر ضررا للجاليات العربية والمسلمة لمغالاتهن في إثبات أنهن غير فئويات.

ترامب حكم بطريقة إدارة شركة، بمجلس إدارة ليس بالضرورة من العاملين في الشركة أو "الخبراء" بتركيبها وآليات عملها. وتجاوز بجرأة استثنائية كثيرا من قواعد "عملية الحكم" مستبعدا الروتين التقليدي الذي تقوده إدارات الأمن والاستخبارات. وامتدت الخلخلة لتشمل كل مؤسسات الإدارة، بما فيها الدفاع والخارجية. لذا، كانت خطواته دوما مفاجئة يصعب التنبؤ بها.

أما إدارة بايدن الديموقراطية فستكون مهمتها الأساسية هي محاولة استعادة آليات العمل الحكومي التقليدية، لهذا فهي فترة رئاسية يسهل بشدة توقع خطواتها وقراراتها وسياساتها الداخلية والخارجية. وطبيعي أن تكون القضايا الداخلية أولوية لإدارة بايدن، ليس هذا فحسب بل إن ما ستفعله يمكن التنبؤ به بسهولة – في كافة القضايا التي تواجهها الولايات المتحدة داخليا.

ولأنها رئاسة متوقعة، وتستهدف عمل عكس ما فعله ترامب، فالأرجح أن الإدارات التقليدية (الخارجية والأمن والمعلومات) ستستعيد قدرا من طبيعتها البيروقراطية التقليدية. كذلك ستستعيد بعض مراكز البحث والدراسات المعاونة في اتخاذ القرار، من خارج الحكومة، قدرا من دورها الذي تراجع بشدة في فترة رئاسة ترامب.

في عدد مارس/أبريل من مجلة فورين أفيرز كتب جو بايدن مقالا مطولا عن سياسته الخارجية إذا أصبح رئيسا. وخلاصة المقال تؤكد أن أفعاله "متوقعة جدا"، فهو سيعيد الاهتمام بالمنظمات الدولية وبالتحالفات التقليدية الأميركية وسيركز على الصين وروسيا. ما عدا ذلك فهو إنشاء دبلوماسي لا يخرج عن مذكرات الدبلوماسيين المخضرمين.

خلال حملته الانتخابية، وحتى بعد أن أصبح رئيسا منتخبا، لا تخرج تصريحات جو بايدن عن النهج المنتظر: إعادة البيروقراطية الحكومية للعمل، عقد المؤتمرات، تشكيل اللجان، الاهتمام بالتقارير.. إلى آخر كل تلك الآليات التي قفز عليها دونالد ترامب.

هناك منحى أساسي في السياسة الخارجية الأميركية يتجاوز من في البيت الأبيض - ترامب أو بايدن، جمهوري او ديموقراطي هو استمرار استراتيجية "فك الارتباط" الأميركي مع العالم. ورغم أن تصرفات ترامب الخارجية بدت كأنها تغييرا في تلك الاستراتيجية، لكن الحقيقة ما حدث كان تغييرا في الشكل فقط اعتمد على شخصية الرئيس وطريقته في إدارة الأمور. إنما جوهر الاستراتيجية مستمر كما هو بعدم التدخل النشط وترتيب حماية المصالح الأميركية من خلال لاعبين إقليميين أو محليين.

صحيح أن منافسي الولايات المتحدة الكبار في العالم كانوا يفضلون استمرار ترامب طبعا، لكن استراتيجياتهم مستمرة مع وجود بايدن وإن شهدت تعديلات، ومهارة الأطراف الأخرى في العالم أن تحاول الاستفادة من تلك التعديلات في توازن علاقاتها الخارجية ما بين الولايات المتحدة واللاعبين الكبار الآخرين.

كل ما يتمناه المرء ألا يغرق محللونا ومنظرونا وإعلاميونا مدعيو الخبرة في القياس على نماذج معلبة (الديموقراطيون سيعيدون الإخوان، بايدن سيعيد سياسة أوباما في ليبيا وغيرها... الخ) فكل تلك الأمور وصلت إلى أوضاع غير قابلة للاستعادة. وليستعد الجميع للتعامل مع إدارة يسهل التنبؤ بخطواتها. هذا إلى جانب أن المؤتمرات واللجان والتقارير لا تؤدي غالبا إلى خطوات حاسمة. هي فترة حكم ستسير "كما الكتاب" – كتاب بيروقراطية الحكم وآليات عمل الإدارات التقليدية.

ما فعله حكم ترامب على مدى أربع سنوات يحتاج إلى أضعافها فقط للتخفيف من آثاره، ناهيك عن تغييره جذريا. وبما أن ذلك سيكون الهم الأساسي لرئاسة بايدن فلا يتوقع منها الكثير على صعيد السياسة الخارجية، وتحديدا تجاه منطقتنا.