أستغرب بشدة ألا يربط أحد بين ما يحدث لفرنسا وبين كونها البلد الوحيد الذي له قوات تحارب الإرهاب في غرب أفريقيا والساحل، بينما أردوغان والإخوان يعززون الإرهاب في القارة السمراء بالمرتزقة الإرهابيين في ليبيا؟ خاصة وأن أميركا تراجعت في مكافحة الإرهاب هناك، بادعاء التكاليف، وأوقفت قاعدة الدرون في النيجر التي كانت تستهدف الإرهابيين في جنوب غربي ليبيا!!

حتى من يوصفون بأنهم "عقلاء" و"معتدلون" يقعون في فخ "اللعب على أرضية الإخوان وأردوغان" ويساوون بين الخطاب الرسمي الفرنسي وبين خطاب المتطرفين الإسلاميين. إنها موجة من "الطهارة السياسية" الخطرة التي لا يريد أحد فيها "استفزاز مشاعر مئات ملايين المسلمين" فيقع في خيبة المزايدة باسم الدين "دفاعا عن الرسول الكريم"!!

وبغض النظر عن أن خطاب الرئيس الفرنسي يخصص دوما "الإسلام الراديكالي" ولا يسحب الأمر على الإسلام أو المسلمين، وحتى لو كان يستخدم لغة للاستهلاك المحلي لأسباب سياسية داخلية ففي النهاية هو من يذبح مواطنوه وتتعرض بلاده للإرهاب.

ما يحدث لفرنسا ليس بسبب رسم كاريكاتوري، نسيه العالم (بغض النظر عن حرية التعبير أو حتى معاداة المسلمين) لولا ذبح الإرهابي لمدرس التاريخ. ثم جاء تحريض أردوغان، وعناصر الإخوان وموجة مسايرة العوام من قبل الجميع في العالمين العربي والإسلامي لتشيطن الفرنسيين وتحرض من قاموا بذبح مصلين في كنيسة أو من يستهدف الشرطة بسكين.

وإذا كنا مقتنعين بأن أردوغان والإخوان أفاقين لا يهمهم من الدين سوى تغطية انتهازية لأهداف تخريبية نلمس نتائجها يوميا في احتلال وإرهاب وقتلى من بين المسلمين أكثر من غيرهم، فلماذا نلوم فرنسا ورئيسها ماكرون؟ ألا ننتبه إلى أن الأمر لا علاقة له بدين الإسلام، ولا بغالبية المسلمين، إنما هو صراع على نفوذ ومصالح يمتد من العراق وسوريا وشرق المتوسط مرورا بليبيا إلى مالي وساحل العاج وبوركينا فاسو. وفي هذا الصراع، وحتى دفاعا عن دين الإسلام الحنيف المتسامح ورسوله الكريم، يجب أن يكون موقفنا مع فرنسا في تصديها للإرهاب وليس مع رعاة الإرهاب ومموليه ومبرريه.

لم يقل أحد أن فرنسا جنة، أولم تكن يوما إمبراطورية استعمارية تسلب خيرات مستعمراتها مثلها مثل بريطانيا والدولة العثمانية، لكنها الآن في خط الدفاع الأول عن الإسلام بمحاربتها الإرهابيين الخارجين كلهم من عباءة الإخوان وتمولهم قطر ويرعاهم أردوغان. ليس هذا الكلام بالطبع للمستغلقة عقولهم بخطاب التحريض والتطرف، إنما لمن يفترض أنهم عقلاء ويغارون على إسلامهم من التشويه ومن يرون الخطر الرئيسي على أمنهم القومي من الإرهاب ورعاته وليس ممن يكافحه ويتصدى له.

لطالما رأيت الثقافة الفرنسية تاريخيا أكثر ثقافة منافقة، لكني في هذا الصراع ودفاعا عن الإسلام وعن فرنسا في حربها ضد الإرهاب، أتغاضى عن ذلك مؤقتا لأن ما يجري لا علاقة له بالأديان والأفكار والثقافة.

وصحيح أن الشرطة الفرنسية أكثر شرطة في دول الاتحاد الأوروبي عنفا حسب تقارير الأداء السنوي للمفوضية الأوروبية، لكن ذلك لم يمنع أكثر من 6 ملايين من المسلمين من شمال افريقيا (أغلبهم من الجزائر والمغرب وتونس) من العيش والعمل والاستقرار في فرنسا وبناء المساجد، بل والسيطرة على بعض الأحياء وجعل ملامحها "إسلامية" تماما. ونعم، في فرنسا يمين متطرف (ليس في الحكم) مثلها مثل أغلب دول الغرب يرفع شعارات عنصرية أحيانا.

لكن ما يجري لا علاقة له بدين أو أفكار، إنما هو صراع يستخدم فيه الإرهاب – الذي نعرف جميعا من يدعمه – وإذا كنا لا نريد أن نصبح منافقين ونتصدى لهم فلنكن واضحين بألا نمنح الإخوان وأردوغان ميزة يستغفلون العالم بها: أنهم المدافعون عن الإسلام. وللمرة الألف، لا يكفي أن ندين حادث ذبح أو طعن، ونردف الإدانة ببيان استنكار لمن يقوم به بأنه ليس من الإسلام في شيء. بل من المهم أن نعلن بوضوح أننا مع من يحارب الإرهاب دفاعا عن إنسانيتنا بالأساس.

ربما يصعب على البعض أن يخالف الموجة، لكن أحدا لا يتقدم بمسايرة الغوغاء وزبد الماء، وكما قال الله تعالى في كتابه الحكيم: "فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض" صدق الله العظيم. وما في الأرض هو موقف فرنسا من نشر تركيا للإرهاب في ليبيا وبقية أفريقيا وتهديد أردوغان بإغراق أوروبا بالإرهابيين.

والأخطر هنا أن "تمسك العصا من المنتصف" على أمل أن "ترضي جميع الأطراف" فذلك يصب لمصلحة من يدعمون ويمولون ويرعون الإرهاب ويبررونه. وليس من الدفاع عن الإسلام أن نصف مع من يشوهون الدين برفع شعاراته واستغلال اسم رسوله لأعراض سياسية تضر بمصالحنا، مثلنا مثل فرنسا.