يخطئ الكثيرون عندما يحاججون أن الثالث من أكتوبر 1932، يوم انضمام العراق لعصبة الأمم، لا يستحق أن يعتبر عيداً وطنياً لأنه يعني مجرد دخول العراق منظمة دولية، وبالتالي لا صلة حقيقية له باستقلال العراق.

ينطوي مثل هذا التفكير على جهل واضح بتاريخ البلد أو سوء فهم عميق له على الأقل، لأنه لا ينتبه إلى الصيرورة المهمة والصعبة التي كان العراق، بعد سنوات ولادته الأولى كدولة. كي يكتمل تشكله تدريجياً كدولة مستقلة ومتماسكة. كان الثالث من أكتوبر لحظة مهمة ومفصلية في هذه الصيرورة الطويلة التي لم تنته لحد الآن. 

تكمن أهمية هذا اليوم في أنه يؤرخ امتلاك العراق قانونياً، ولأول مرة في تاريخه، قراره السيادي بكل ما يتعلق بشؤونه كدولة وشعب.

جاء اكتساب العراق هذه السلطات السيادية نتيجة ً لإصراره على إنهاء معاهدة 1922 الانتدابية (التي جددت بتغييرات طفيفة في عام 1926) وتوقيع معاهدة جديدة مختلفة تماماً، هي معاهدة 1930، تقر بهذه السلطات الجديدة. 

كانت الحكومات العراقية المتتابعة منذ مصادقة المجلس التأسيسي على معاهدة الانتداب تسعى بجد عال لتعديلها أو تحسينها، خصوصاً حكومات ياسين الهاشمي ( 1925) وجعفر العسكري (1927) وعبد المحسن السعدون (1929) من دون نجاح كبير أدى هذا الفشل إلى تحول القرار العراقي في نهاية  1928 إلى توقف السعي لتجديد المعاهدة والمطالبة، بدلاً من ذلك، بمعاهدة جديدة غير انتدابية، بالاستفادة من بند أصر عليه العراق في المعاهدة المعدلة في 1926 مؤداه إمكانية أن تقوم بريطانيا بنهاية مدة المعاهدة المعدلة والبالغة 4 سنوات، بدعم طلب العراق الدخول في عصبة الأمم كدولة مستقلة في عام 1930.

تظافرت عوامل عديدة جعلت هذا الإمكانية كبيرةً، أولها تعيين، في نهاية 1928، مندوب سام بريطاني جديد متعاطف مع المطالب العراقية هو جلبرت كلايتون، قبل أن يتوفى بعدها بأشهر ليخلفه مندوبٌ سام آخر متعاطف ايضاً هو همفري فرانسز، ووصول حكومة عمالية في بريطانيا كانت تريد أن تتخفف من العبء الاقتصادي، الذي يشكله العراق وبقاء القوات البريطانية فيه على الخزينة البريطانية خصوصاً في ظل الكساد الكبير، الذي ضرب الاقتصاد العالمي حينها وتأثرت به بريطانيا كثيراً.

لعب الاصرار العراقي دوره أيضاً، خصوصاً من جانب حكومة عبد المحسن السعدون الذي كان انتحاره في نوفمبر 1929 بسبب التعنت البريطاني والضغط الشعبي العراقي صادماً للبريطانيين، الذين عدو الرجل صديقاً قوياً ومعتمداً لهم. هذا فضلاً عن التطور الذي أظهره العراق في تشكيل وتطوير مؤسسات الدولة الجديدة تحت إشراف بريطاني، كما أظهرت ذلك التقارير السنوية التي كانت الحكومة البريطانية تقدمها سنوياً لعصبة الأمم بخصوص وضع الانتداب في البلد. 

 في سبتمبر 1929 أخبرت الحكومة البريطانية العراق أنها على استعداد لدعم طلبه الانضمام إلى عصبة الأمم وبالتالي إلغاء معاهدة الانتداب واستبدالها بمعاهدة جديدة بين العراق وبريطانيا كبلدين مستقلين.

دخل العراق، في ظل حكومة توفيق السويدي، المفاوضات مع بريطانيا لعقد المعاهدة الجديدة حينها من دون الوصول إلى نتيجة واضحة على مدى أشهر، على الأغلب بسبب ارتياب السويدي بالبريطانيين وتشدده في التفاوض معهم. استغل الملك فيصل الفرصة كي يكلف الرجل الذي يعتمد عليه ويثق به كثيراً، نوري سعيد، بتشكيل الحكومة لأول مرة في مارس 1930.

كان نوري سعيد أيضاً وزير الخارجية في الحكومة التي يرأسها كي يمسك ملفَ التفاوض مع البريطانيين بيديه. في خلال 3 أشهر، أي بنهاية شهر يونيو 1930، عقدت المعاهدة التي أصبحت الإنجاز الأول والأهم لنجم السياسة العراقية الصاعد حينها ذي الاثنين وأربعين عاما، نوري سعيد، لكن في الجانب الآخر، المطعن الأكبر ضد الرجل من خصومه الكثيرين بسبب تحوله المفترض إلى رجل بريطانيا، الذي شرعَّنَ بقاءها عبر معاهدة اعتبروها تزويقاً بارعاً ومذلاً للانتداب البريطاني.

في نهاية عام 1930، صادق المجلس النيابي على الاتفاقية على أن تدخل حيز التنفيذ في أكتوبر 1932، وتظل نافذة لمدة 25 عاماً، بعد أن توافق عصبة الأمم في طلب الانضمام العراقي لها.

في جوهرها، كانت معاهدة 1930 كما أشارت مقدمتها معاهدة تحالف وصداقة بين دولتين مستقلتين حليفتين تتفاوتان كثيراً في القوة.

ففعلياً كانت المعاهدة إطاراً لتنظيم العلاقة بين القوة العظمى الوحيدة في العالم حينها ودولة ناشئة وضعيفة تمتلك استقلالها السيادي قانونياً ، لكنه فعلياً كان استقلالاً هشاً ومهدداً بالزوال من دون دعم حليف قوي دولياً وإقليمياً على أساس تبادل مصالح مشتركة مع هذا الحليف. 

تضمنت المعاهدة مقدمة و١١ مادة وبعض الملاحق التي ركزت على التعاون العسكري وحل المتعلقات المالية بين العراق وبريطانيا، فضلاً عن اتفاقية عدلية للتعاطي مع تحديات الثقة بالقضاء العراقي حينها.

المادة الأساس والأهم في المعاهدة بالنسبة للعراق كانت المادة الثامنة، التي ألغت كل الصلاحيات الانتدابية البريطانية في العراق، وحولتها للحكومة العراقية (أي السيادة الوطنية على القرار العراقي) لتلبي بذلك المطلب العراقي الرئيس المتعلق برفض الوصاية البريطانية على القرارات العراقية المتعلقة بكيفية إدارة البلد، خصوصاً في مجالات الأمن والدفاع والسياستين الداخلية والخارجية.

في مادتها الأولى أشارت المعاهدة إلى تحالف سياسي بين الطرفين، عبر تشكيل "حلف وثيق، ترسيخاً للصداقة بينهما" لتنص على جود " تشاور صريح وكامل بينهما في كل قضايا السياسة الخارجية التي قد تؤثر على مصالحهما المشتركة" بحيث "لا يتبنى أي من الطرفين مواقفَ في السياسة الخارجية تتعارض مع هذا الحلف او قد تخلق مصاعب للطرف الآخر". أما المادة الرابعة فتعلق فحواها بالدفاع المشترك في حالة دخول أحد طرفي المعاهدة في حرب مشروعة قانونياً أو التعرض إلى التهديد المباشر بها إذ نصت على أن يهب الطرف الآخر للدفاع عنه. لتنظيم مهمات الدفاع المشترك هذه، أشارت المادة الخامسة إلى التزام العراق بمنح بريطانيا قواعد جوية في البصرة وقاعدة أخرى غرب الفرات (الحبانية) لوضع قوات بريطانية فيها على امتداد فترة المعاهدة البالغة 25 عاما، من دون أن "يُعتبر وجود هذه القوات احتلالاً أو يشكل خرقاً لحقوق العراق السيادية".

شرحت الفقرات الملحقة بالمعاهدة الالتزامات العراقية والبريطانية المتبادلة بتفصيل أشد. كان من بينها تقديم بريطانيا للعراق الأسلحة والمعدات العسكرية "من أحدث الموديلات المتوفرة"، فضلاً عن تقديم التدريب اللازم للجيش العراقي كما نصت الفقرة الخامسة. أما الفقرة السابعة، فأشارت إلى التزام العراق بتأمين طرق المواصلات الإمبراطورية لنقل القوات والمعدات العسكرية البريطانية عند الحاجة.

أصبحت هذه الفقرة مع المادة الخامسة الخاصة بالسماح بوجود قواعد عسكرية بريطانية في البلد من أهم نقاط المعارضة الشعبية والسياسية لهذه المعاهدة منذ إبرامها وعلى مدى عقود تالية.

أثارت هذه المعاهدة خلافاً عراقياً شديداً حينها بين دعاة التيار المثالي في السياسة، من جهة، الذين كانوا يقرنون الاستقلال بمفاهيم عاطفية للوطنية تعتبر وجود أي قوات أجنبية في البلد شكلاً من التعدي السافر على البلد وجرحاً لكرامته وخرقاً لسيادته ودعاة التيار الواقعي.

من جهة أخرى، الذين كانوا يربطون السيادة بقوة البلد الفعلية وتماسكه الداخلي وقدرته على الدفاع عن نفسه ومصالحه حتى وإن تطلب الأمر الاستعانة بقوى أجنبية ومنحها امتيازات معينة في البلد لحين وقوف البلد على قدميه. 

في خطابه أمام المجلس النيابي في أكتوبر 1930، لخص نوري سعيد حجج التيار الواقعي عند دفاعه عن المعاهدة إذ قال "إن البلاد، بالنظر إلى مركزها الجغرافي، لا بد، خاصةً في مرحلتها الحاضرة، من أن تستند إلى محالفة دولة قوية، لتتمكن من أن تتدرج في قواها  وترقية مواردها، بدون أن تتعرض لأخطار الطامعين. أن المحالفة التي عقدناها مع أمة من أعظم أمم العالم، ليست مشينة لنا في بدء حياتنا الدولية، وليس فيها، إذا نظرنا لها بعين الإنصاف، ما يقيد سيادتنا التامة، وليس في العالم أمة طليقة من كل قيد، ولا بد للأمم، مهما غالت في استقلالها، ومهما كانت قوية، من أن تتقيد إلى حد ما بما تقضي به عليها مصالحها الحيوية. لقد فضلنا مبدأ هذا التحالف، لأننا عقدناه على أساس المساواة، ولاننا وجدنا فيه خير ضمان لحفظ كياننا في هذه المرحلة الخطيرة التي نخطوها".

أياً يكن الرأي بنوري سعيد، السياسي الاكثر تأثيراً واثارة للاختلاف في العراق الملكي، وبغض النظر عن أخطاء الرجل السياسية لاحقاً، من الصعب اعتبار أن كلماته هذه تفتقر للحكمة السياسية او لحس الوطنية العراقية، حتى بعد مضي نحو 90 عاماً على قولها. تقول هذه الكلمات القديمة الكثير عن عراق اليوم والتحديات التي يواجهها وكيفية التعاطي معها.  

(يتبع)