مرشح الحزب الديمقراطي للانتخابات الرئاسية الأميركية جو بايدن ونائبته المُرشحة كامالا هاريس لهما منظور مختلف تجاه منطقة الشرق الأوسط.

مجموع الإشارات التي تصدر عن مرشح الحزب الديمقراطي للانتخابات الرئاسية الأميركية جو بايدن ونائبته المُرشحة كامالا هاريس تجاه منطقة الشرق الأوسط تنقسم إلى مستويين اثنين، يختلفان نوعياً عن السياسات المتبعة من قِبل الإدارة الأميركية الحالية، لكنهما في المحصلة يؤديان إلى النتيجة نفسها، لأنهما مثل سياسات هذه الإدارة، تملك كل أسباب التباين الداخلية، عبر مواجهة واحد من النظامين التوسعيين الإقليميين، إيران وتركيا، والتراخي مع الآخر.

صدرت عن بايدن تصريحات واضحة عن الاستراتيجية التي ستتخذها إدارته، فيما لو فاز في الانتخابات، تجاه السياسات المتمادية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في مختلف ملفات المنطقة، وحتى في التوازنات الداخلية التركية. إذاً كان مُلاحظاً خلال تلك التصريحات بأن بايدن سيسعى لأن يضع حداً واضحاً لأشكال التدخلات التركية في كل من سوريا والعراق وليبيا وشرق المتوسط وأفريقيا، خصوصاً تلك الأدوات التي تستخدمها سلطة أردوغان للهيمنة، عبر تشييد ونشر التنظيمات المتطرفة في هذه المناطق الهشة من الإقليم.

فوق ذلك، فإن بايدن أطلق وعوداً استثنائية للحد من سلطة أردوغان وحزب العدالة والتنمية حتى في الداخل التركي، إذ قال إن إدارته المستقبلية ستدعم قوى المعارضة التركية المناهضة لحكم أردوغان، لإطاحته وإزاحته عن السلطة، واصفاً أردوغان بأنه "مستبد" و"أكثر من رئيس دولة لتركيا"، في إشارة إلى العلاقات التداخلية بين تركيا والتنظيمات الإسلامية المتطرفة في دول المنطقة والعالم.

على الدفة الأخرى، فإن بايدن وفريق المستشارين المحيطين به، يؤشرون إلى حتمية العودة إلى السياسات التي كانت تتخذها إدارة الرئيس أوباما تجاه إيران، حينما كان بايدن نائباً للرئيس وقتئذ. حيث سيكون التركيز على العودة إلى الاتفاق النووي الذي انسحبت منه الإدارة الحالية، مع بعض التعديلات الطفيفة، مترافقاً مع رفع تام للعقوبات عن إيران، والدخول في مساومات وتوافقات معها في المناطق التي تهيمن عليها، مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن.

***

في تفاصيل تحليل هذه التوجهات الاستراتيجية المتوقع أن تتخذها الإدارة الديمقراطية القادمة للولايات المتحدة، فيما لو فاز الديمقراطيون في الانتخابات الرئاسية في الثالث من شهر نوفمبر القادم، وهو غالباً ما سيحصل، حسب معظم استطلاعات الرأي، فإنه ثمة ثلاث معضلات داخلية لهذه التوجهات.

فهذه الاستراتيجية أولاً لن تتمكن من تحقيق أي مستويات معقولة من الاستقرار والتهدئة في المنطقة، لأنها تقع في مصيدة استراتيجية الإدارة السابقة نفسها، عبر كبح جموح واحدة من القوى الإقليمية النافذة، وغض النظر عن الأخرى، وبالتالي إفساح المجال لاستمرار وتنامي أدوات وسياسات الهيمنة الإقليمية.

فالإدارة الحالية مارست أقصى درجات الضغط على إيران، لكنها لم تحقق استقراراً إقليمياً، لأن الملفات والمناطق نفسها التي شهدت انحسراً للنفوذ الإيراني، فعلت تركيا كل شيء لأن تمارس التوجهات الإيرانية نفسها، مستفيدة من غض النظر الذي مارسته الإدارة الحالية.

ثمة في المنطقة قوتان قطبيتان، متناقضتان ومتنافستان ظاهراً، لكنهما تنتهجان الأدوات والآليات نفسها، وإن لم يكن ثمة توجه أميركي استراتيجي لاحتواء كليهما، فإن دورة العنف والتفسخ السياسي ستستمر في أكثر من بلد إقليمي، وبغض نظر أميركي واضح وواعٍ.

المسألة الأخرى تتعلق بعدم الاستفادة من تجارب الإدارات الأميركية الديمقراطية السابقة في التعاطي الإيجابي والمرن مع أنظمة ذات ملامح شمولية وتدخلية واضحة مثل إيران، بالذات منها تجربة ثماني سنوات من عمر إدارة أوباما مع إيران نفسها.

فالعقيدة المركزية للإدارات الديمقراطية، أغلبها على الأقل، تقول إن أدوات القوة الناعمة التي تملكها الولايات المتحدة، كالقوة الاقتصادية والنفوذ الدبلوماسي والعلاقات السياسية على مستوى العالم، تسمح لها بالدخول والتعاطي مع الأنظمة الشمولية، للحد من نفوذها أو إحراز توافقات سياسية معها، وأن ذلك الشكل من التعاطي أكثر نجاعة وفاعلية من أدوات الضغط العقابية والعسكرية الصراعية من هذه الأنظمة.

شكلت تجربة إدارة الرئيس أوباما مع النظام الإيراني دلالة واضحة على تهافت ذلك التوجه. فالإدارة الأميركية وقتئذ (2008-2016) لم تطبق أي عقوبات تجاه إيران، وانسحبت تماماً لصالحها من العراق، وأفرجت عن كميات هائلة من الأموال الإيرانية المُحتجزة، وتوصلت مع إيران إلى اتفاق استراتيجي لصالح الأخيرة تماماً، لكنها لم تحصل من إيران على أي "تنازلات" في أي ملف كان، بما في ذلك الملف اللبناني، الأكثر هامشية بالمعايير النسبية. بل على العكس تماماً، زاد سعير مختلف التدخلات الإيرانية، بالذات بنمطها العسكري، كانت ساحات العراق واليمن وسوريا شواهدَ كبيرة على ذلك.

أخيراً، فإن توجهات متناقضة كهذه تجاه القوى الإقليمية النافذة، إنما لا تدرك حجم التداخل والمصالح والتعاضد الداخلي بين النظامين الإيراني والتركي، أو لا تريد أن تدرك ذلك.

فالسجل الداخلي لإدارة أوباما خلال سنوات خلافها الأربع الأخيرة مع الجانب التركي (2012-2106)، دفعت إيران لاحتواء وتعزيز "الممانعة" التركية في مواجهتها، بالذات عبر المسار الثلاثي البديل للنفوذ الإقليمي، الذي ضمهما إلى جانب روسيا. على الدفة الأخرى، فإن النظام التركي كان رئة إيران وأداتها الأكثر حيوية للالتفاف على العقوبات الأميركية، وكذلك كان المعين السياسي لإيران في الملفات السياسية، كانت علاقة قطر مع الطرفين أكبر شاهد ودلالة على ذلك.

سيستمر ذلك بسلاسة تامة مستقبلاً، فتخفيف القيود الأميركية على إيران في ظلال أي إدارة مستقبلية، سيدفعها لأن تزيد وتمتن روابطها وأشكال دعمها لنظام الرئيس أردوغان، ففي المحصلة ثمة ما يجمعهما بعمق، ألا وهو تقاسم النفوذ في المنطقة.