يستبق أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى لبنان بخطاب "حنون" يتّسق مع الدور الذي تسعى فرنسا للعبة بصفتها تاريخيا "الأم الحنون" للبلد.

والجزرة التي يلوح بها نصر الله لماكرون تناقض العصا التي يلوح بها داخل شوارع بيروت وأحياء خلدة والبقاع والجنوب ومناطق أخرى قبل ذلك.

وواقع الحال أن حزب إيران في لبنان يمارس ابتزازا خبيثا لباريس، مفاده أن مفتاح الأمن والحرب والسلم وأي تسوية تتوسلها باريس لها مرجع واحد تدلكم "موتسيكلات" الحزب على عنوانه.

بالمقابل يتعامل ماكرون مع لبنان متغافلا عن واقع أنه بلد محتل وسبق لطهران أن فاخرت بوقوع عاصمته داخل خرائط احتلالاتها.

يرى رجل فرنسا في البلد فيروزا وأرزاً، فيجول مفاخراً، معتقداً أن في رمزية عبوره من منزل فنانة لبنان الأولى وأيقونته إلى غابات الأرز في جباله، ما قد يستدعي أساطير تخجل منها موازين القوى ولعبة المصالح الخبيثة.

والحال أن ماكرون يوحي لنصر الله بما يتيح لحزب الله الإيمان أنه بات من الثوابت التي يعترف بها العالم ويتموضع وفقها. والحال أيضا أن شكل الحكم الذي أصدرته المحكمة الدولية الخاصة بقضية اغتيال رفيق الحريري أوحت للحزب بأكثر من ذلك، من حيث أن "قِدِّيسيه" تتم تبرأتهم، وأنه حين تجرّم واحدهم فإن فعلته إثم فردي لا وحي له.تلعب فرنسا بارتباك دور الشرطي اللطيف مستفيدة من غلاظة دور الشرطي الشرير الذي تلعبه الولايات المتحدة. يصعد الشرير الأميركي إلى أعلى الشجرة مشددا مواقفه المطالبة بتخشين مهام قوات اليونيفل وتوسيع صلاحياتها ومد مهامها باتجاه الحدود مع سوريا. بيد أن النص الفرنسي الوسطي هو الذي يمرر في مجلس الأمن والذي، رغم انخفاض سقفه عما توعد به الأميركيون، يشي، بإجماع المجلس، أن المجهر الأممي بات أكثر عزماً على التعامل بجدية مع "ملف" حزب الله.

والواضح أن ماكرون، وبالتوافق مع نظيره الأميركي دونالد ترامب، يعمل على منع "وفاة" لبنان واختفائه، وفق التعبير الدقيق لوزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان. وبناء على هذا التوافق الأميركي الفرنسي الصعب، سيكون على الرئيس الفرنسي اجتراح معجزة هدفها وضع لبنان في حالة تنفس اصطناعي بانتظار ما ستؤول إليه الانتخابات الرئاسية الأميركية في نوفمبر بما تحمله من تداعيات على ملفي إيران وسوريا .

كل الأطراف في لبنان كما مراجعها الخارجية تعرف جيداً أن لا طائل من الانخراط في أي ورشة حل جذري في لبنان. الرياض وواشنطن لن تدعم حكومة يخترقها حزب الله وهو ما يفسر اعتكاف سعد الحريري وزهده بمنصب رئاسة الحكومة. حتى أن باريس أيضا أوحت بتفضيلها ابتعاد الحريري (ربما لتسهيل ابتعاد وجوه سياسية مقابلة أيضا)، وكأن ذلك بات مطلوبا للإيحاء بأن حكومة ماكرون اللبنانية (برئاسة مصطفى أديب) لا تهدف، حاليا، إلى أي تغيير بالمعادلة السياسية اللبنانية التي يهيمن عليها حزب الله.

غير أن باريس لا تتحرك بعيدا عن ملاعب واشنطن. تحتاج الولايات المتحدة إلى قيام حكومة في لبنان بإمكانها أن تتلقى رسميا رسائل الولايات المتحدة الخشنة ولوائح مطالبها.

بات ديفيد شنكر، مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى (الذي يزور لبنان غداة مغادرة ماكرون)، يشعر أن حزب الله بات في عجلة لإبرام صفقة ترسيم الحدود اللبنانية الإسرائيلية، وأنه كما زميله ديفيد هيل الذي زار لبنان قبل أسابيع يتدللان على نحو لا يوحي بعجلة أميركية لإقفال هذا الملف.

وعلى الرغم من حراك موتسيكلات الحزب في زواريب البلد، غير أن ذلك لا يخفي أن البوارج الحربية التي ترسو وقد ترسو في مينائه، كما الاجتياح الدبلوماسي الدولي لعاصمته، كما تحول المزاج الأممي حيال اليونيفل، يوحي أن ورشة كبرى جارية لتحرير البلد من وضع بات نافراً لا تتسق مفرداته مع مشهد الصراع الكبير في شرق المتوسط.

يتطور غضب واشنطن من فرنسا وبقية الحلفاء في أوروبا بسبب عدم مساندة المشروع الأميركي في مجلس الأمن لتمديد حظر الأسلحة على إيران. ولو كان لماكرون مشروع فرنسي مستقل في لبنان لعمل الأميركيون على الإطاحة به. وعلى هذا يتحرك الرجل وفق لغة فرنسية لا تعاند اللهجة الأميركية، ذلك أن تواصلا خلفيا يجري بين واشنطن وطهران لإعداد ملفات التسوية الحتمية المقبلة أيا كانت هوية الرئيس الأميركي.

والثابت أن تلك التسويات المستندة على موازين قوى لا تميل لصالح طهران لا تناقش مصير حزب الموتسيكلات في لبنان.