ذهبت المنطقة إلى مؤتمر مدريد عام 1991، بما أرسل العلامات الأولى لاعتراف العرب بإسرائيل. لاحقا اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل، ما قاد بعد ذلك إلى توقيع اتفاق أوسلو 1993.

قبل ذلك أبرمت مصر اتفاقية كامب ديفيد للسلام مع إسرائيل 1979، وبعد ذلك أبرم الأردن اتفاقية وادي عربة مع إسرائيل 1994.

وبين ما هو منفرد وما هو تجريبي، ذهبت المنظومة العربية إلى تبني مبادرة الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز واعتمدت بالإجماع مبادرة الأرض مقابل السلام في قمة بيروت 2002.

مذاك انحشرت فلسطين، بفلسطينييها وعربها، داخل هذا المشروع العربي، بحيث يتلطى الجميع خلفه، موارين بذلك شللا وعجزاً عن اجتراح آليات خلاقة تعالج جمود عملية السلام برمتها وتقارب كل زلزال التطورات التي طرأت على العالم عامة والمنطقة العربية خاصة.

بقيت علاقات العرب مع إسرائيل متواضعة سواء من قبل مصر والأردن، أصحاب اتفاقياتي السلام الرسميتين، أو من قبل بلدان عربية إما استضافت مسؤولين إسرائيليين أو تواصلت معهم على نحو سري حينا أو علني حينا آخر تصاحبه فتاوى التبرير والتفسير.

لا توقف الاتفاقية الإماراتية الإسرائيلية من يحشد قواته لتحرير فلسطين غدا، ولا تمنع الاتفاقية من صدّع رؤوسنا برمي إسرائيل في البحر منذ عقود. ولا تدعي الإمارات في اتفاقيتها أنها تحمل الترياق المنتظر لحل أكثر قضايا الكوكب تعقيدا. بيد أن الحدث يرمي بحجر ثقيل داخل مياه راكدة آسنة حولت قضية فلسطين إلى قضية هامشية مقارنة بقضايا تضخمت وتعاظمت منذ أن أطل ما أطلق عليه ربيعا على يوميات العرب.

لا شيء مفاجئ في ما يصدر عن تركيا وإيران وأذرعهما في المنطقة. في الأمر نفاق معطوف على ازدواج في المعايير، وفي الأمر جعجعة وقنابل صوتية لطالما صدقها الفلسطينيون منذ نكبتهم 1948 حتى الآن دون أن تغير شيئا من مآسيهم.

الحدث الإماراتي فلسطيني بامتياز.

الحدث يفرض على الفلسطينيين والعرب استفاقة جديدة وتموضعا رشيقا يعترف أن العالم قد تغير، ويُقرُّ أيضا دون تردد أن جيلا عربيا جديدا بات أكثر دينامية في فهم شروط العصر وقواعده.

بين مصر والأردن وإسرائيل اتفاقيات سلام لم تنجح في إحداث تطبيع بين المصريين والأردنيين من جهة وإسرائيل من جهة أخرى.

لاتفاقية الإماراتية الإسرائيلية لا تخرج عن هذا السياق، ذلك أن التطبيع الكامل الذي تحلم به إسرائيل لن يحصل طالما أن قضية فلسطين لم تجد حلاً عادلا، وطالما أن السلوك الإسرائيلي لا يحظى بأي احتضان عربي.

وإذا ما كانت المصالح هي أساس علاقات الدول بعضها ببعض، فإن هدف الاتفاق بالنسبة للإمارات سياسي بامتياز على الرغم مما صاحب الإعلان عنه من تعاون في مجالات الاقتصاد والسياحة والتكنولوجيا. فإسرائيل تعرف، ونتنياهو يعرف، أن تلك الوثبة تتوقف فورا كما توقفت وثبات سابقة إذا ما تمسكت إسرائيل بمنهجها وعقائدها في مقاربة حضورها في المنطقة.

المصالح أملت يوما على "الجمهورية الإسلامية" في إيران أن تنخرط بصفقة الأسلحة الإسرائيلية المعروفة باسم "إيران غيت". والمصالح هي التي تملي على إيران عدم الرد أو محدوديته حين تتعرض مواقعها العسكرية في سوريا والعراق لقصف مدمر. والمصالح هي التي تملي على حزبها في لبنان عدم اندفاعه إلى اتهام إسرائيل بالوقوف وراء كارثة مرفأ بيروت.

والمصالح هي التي أملت على تركيا أن تكون أول دولة إسلامية تعترف بإسرائيل عام 1949، وأن تستمر هذه العلاقة حميمة في السياسة والعسكر والأمن والتكنولوجيا والاقتصاد حتى في عهد حزب العدالة والتنمية وزعيمه رجب طيب أردوغان.

لاقى الفلسطينيون مصالحهم الخاصة أيضاً حين قرروا بقيادة الزعيم الراحل ياسر العرفات، ومن وراء ظهر العرب، إبرام اتفاق أوسلو عام 1993. ذهب الممانعون بقيادة نظام دمشق في عهد حافظ الأسد إلى شن حملة تشوية مركزة ضد منظمة التحرير وحركة فتح خصوصا، وعمدوا إلى ملاحقة الفتحاويين والنيل منهم في لبنان وسوريا ونعتهم بالزمر العرفاتية.

حينها احترم العرب خيار الفلسطينيين وقدموا لهم الدعم دون شروط وتوجوا مسعاهم بمبادرتهم للسلام في قمة بيروت. ورغم ذلك منعت دمشق، التي كانت وصية على لبنان، عرفات من إلقاء كلمته في القمة آنذاك فيما كان الرجل محاصراً في المقاطعة برام الله.

ربما على من نسى من الفلسطينيين أن يتذكر قسوة من القى عليهم الأحكام المغرضة، وربما عليهم أن يدركوا أن للدول مصالح ورؤى وجب التعامل معها في ما يخص قضيتهم والنهل من ثمارها.
الحدث الإماراتي حدث فلسطيني بامتياز.

للفلسطينيين الحق في الجدل بشأنه والسجال حوله. لكن يبقى عليهم أن يأخذوا الحدث بعين الاعتبار، ذلك أن للتاريخ نصوصا، والعبرة تكمن في حسن القراءة لا ادعاء الأمية وعزف الأناشيد البالية. والعبرة أيضاً تكمن في اللعب داخل متن التاريخ أو الانسحاب نحو هامشه.