الإعلان عن عملية الاعتراف المتبادل بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، وإطلاق عملية بينية متدرجة تصل إلى تبادل البعثات الدبلوماسية، كان "تاريخيا" كما وصفه الرئيس ترمب، إلا أن إقران تجميد ضم الأراضي الفلسطينية كان شرط الإمارات الأوحد، حتى وإن رفضت السلطة الفلسطينية الاعتراف بقيمة المنجز السياسي.

الخطوة الإماراتية لم تتجاوز على ثوابت مبادرة السلام العربية، بل وضعت الحصان أمام عربة مُعطلة نتيجة تعنت طرفي الصراع في التعاطي مع ضرورات إعادة الاستقرار للمنطقة، والدبلوماسية الإماراتية الاستباقية تنتهج مخاطبة من غُيب في هذا الصراع، وهو الرأي العام الفلسطيني والإسرائيلي نتيجة تخندق طرفي النزاع سياسيا. لذلك انتهجت الإمارات دبلوماسية الاستباق بهدف تحقيق مثل ما حققته يوم الخميس من اختراق لحالة الجمود. ومسؤولية الخطوة القادمة تقع على عاتق السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية.

الدبلوماسية التقليدية لم تقدم جديدا للفلسطينيين منذ لاءات الخرطوم العتيدة، في حين خسر الفلسطينيين الكثير من أراضيهم بسبب نرجسية شعار التحرير. واليوم، ها نحن على مفترق طريق جديد، ولم يكن هدفه تجاوز "منظمة التحرير الفلسطينية" أو سلطتها كما جاء في بيان الرئاسة الفلسطينية " فهي الممثل الشرعي والوحيد"، إنما يجب عدم الخلط بين حق الإمارات السيادي أو افتراض قبولها ذلك.

هناك فلسطينيون إسرائيليون، يمثلون ما نسبته 21 بالمئة من تعداد دولة إسرائيل، وهذه الكتلة ممثلة بـ16 مقعدا في الكنيست الإسرائيلي، ويجب أن ينظر لأمر الاعتراف المتبادل من كل الأبعاد وأولها تمكين هذه الكتلة الحرجة والقادرة على تغيير الموازين السياسية داخل إسرائيل إن نحن أدركنا حيوية ذلك إستراتيجيا وليس سياسيا فقط.

خلال تاريخ الملف الفلسطيني، تم تجريب كل مُجرب، فلماذا نرفض تجريب جديد قد يكون قادرا على اجتراح حدود جديدة. والإمارات لم تكن الدولة الخليجية الأولى أو الأخيرة في اعترافها بإسرائيل، وهي لم تخن القدس كما ادعى نبيل أبو ردينة الناطق الرسمي بأسم السلطة الفلسطينية. ولسنا في وارد تبرير حق أي دولة في ممارسة السيادة الوطنية كما لم نصادر حق السلطة الفلسطينية في ممارسة سيادتها على قرارها الوطني. إلا أننا يجب أن نستذكر أضرار الانشطار الفلسطيني وطنيا، ونتائجه على قضيتهم، فالجدار الفاصل كان هبة حماس والجهاد لإسرائيل.

وإن كانت إسرائيل هي المعيق الأكبر أمام تحقيق عملية سلام عادلة، فإنه من الإجحاف عدم مساءلة حالة التكلس التاريخي التي تعاني منها منظمة التحرير الفلسطينية. وسؤالنا لها : متى ستعبر المنظمة الآليات الديمقراطية التي لطالما تغنت بها أدبيات الثورة بشكل عملي، وذلك استحقاق فلسطيني؟

التقليدية السياسية هي ما أعاق تحقيق الاختراقات في ملفاتنا المحورية، ومغادرة التقليدية هي مسؤولية صناعة القرار الوطني خليجيا، ويجب ألا نبقى حبيسي لاءات السودان التي كلفت الفلسطيني المزيد من البؤس. وحقوق الإنسان الفلسطيني ستبقى نصب أعيننا، فهو منا شريك في أوطاننا وذو إسهام في صناعته، وهو شريك في الهوية والتاريخ، إلا أننا يجب ألا نرهن مصالحنا بفشل الآخرين في إدراك قيمة الواقعية، وأن السياسة هي فن الممكن لا المستحيل.