لم يعلن حزب الله موقفاً رسمياً من دعوة البطريرك الماروني بشارة الراعي إلى اعتماد خيار حياد لبنان وخروجه من أي أحلاف سياسية أو عسكرية.

ولئن حاول حلفاء الحزب المسيحيون، خصوصا جبران باسيل وسليمان فرنجية، تقديم رواية مؤيدة لطرح البطريرك وإلحاقها بفتاوى تفسر مضمونه، فإن هيمنة الحزب لم تستطع إشاعة أجواء معادية لموقف البطريركية بما يعكس تحولاً داخلياً (خصوصا لدى المسيحيين) داعماً لما صدر على نحو لافت من بطريرك الموارنة.

سيد البطريركية مقابل سيد حزب الله. هكذا يبدو الموقف الذي يضع رأس الكنيسة المارونية معارضا للشيعية السياسية وما يمثله حزب الله في قيادتها. يطيح الأمر بما سعت ورقة التفاهم المبرمة بين الجنرال ميشال عون والسيد حسن نصر الله (فبراير 2006) إلى تكريسه من غطاء مسيحي لحزب الله وسلاحه. وينهي الأمر كثيرا من الرمادية واللبس والافراط في الواقعية السياسية التي اتسمت بها مواقف البطريركية في هذا الشأن في عهد البطريرك الراعي، مقارنة بالمواقف الحازمة التي صدرت في عهد سلفه الراحل البطريرك نصر الله صفير.

يدرك حزب الله، على الرغم من تأكيد الراعي أن دعوته للحياد غير موجهة ضده، أن تحولاً كبيراً حصل لا يمكن التقليل من شأنه، خصوصا أن قفز البطريرك من سياسة الصمت إلى سياسة الكلام، تنهل حكماً من مشروعية ودعم من الفاتيكان، وأن تحرك البابوية في هذا الشأن يتسق مع موقف دولي يتصاعد ضد حزب الله ابتداء من واشنطن وليس انتهاء بألمانيا وبريطانيا ورمادية فرنسا. ويدرك حزب الله أن تحرك البطريركية في تاريخ لبنان لطالما كان مفصلياً مؤسسا لتحولات كبرى عرفها البلد. فإذا ما كانت مواقف البطريركية منذ الياس الحويك (رفض ضم لبنان إلى سوريا في مؤتمر فرساي 1919) محددة لمصير البلد، فإن البطريرك الراحل نصر الله صفير وضع  عام 2000 اللبنات الأولى الصلبة لخروج القوات السورية من لبنان (2005).

سبق إعلان البطريرك الراعي عن موقفه من قضية الحياد حضور الرئيس اللبناني السابق ميشال سليمان الحوار الوطني الذي دعا إليه الرئيس ميشال عون في قصر بعبدا (25 يونيو). حضر سليمان الحدث على الرغم من غياب قيادات أساسية عنه اختارت مقاطعة بعبدا وحواراتها. تقصّد سليمان اختيار منصة بعبدا لشن حملة ضد من ينال من استقلال لبنان وسيادته، ومهاجمة حزب الله واتهامه بنقض إعلان بعبدا وتسببه بالانهيار الحالي الذي تعاني منه البلاد.

ما بين ما فجّره سليمان في بعبدا (وأثار مشادة مع رئيس كتلة حزب الله البرلمانية محمد رعد) وما فجره الراعي قبل أسابيع، كرة ثلج مسيحية يخشى حزب الله من تعاظمها داخل لبنان تنعطف على كرات ثلج تتعاظم من خارجه. 

باركت باريس عبر وزير خارجيتها جان إيف لودريان مواقف بطريرك لبنان.  جاء الوزير الفرنسي إلى لبنان الأسبوع الماضي ليخبر حكام البلد أن العالم لن يساعد بلدا لا يريد أن يساعد نفسه. وفيما عوّلت بيروت على زيارة لودريان وعوّل حزب الله على موقف لباريس مبتعد عن موقف واشنطن، قرأ الحزب وبيروت نصوصا فرنسية لا تختلف عن تلك الأميركية في ما هو مطلوب من لبنان وحزبه الحاكم.

والظاهر أن مسألة التمديد لقوات اليونيفل في جنوب لبنان (من المقرر البت بها الشهر المقبل) ستشهد جدلا كبيراً يتعلق بالمطلب الأميركي بتطوير مهام هذه القوات، سواء في مهامها الجنوبية أو في إمكانية نشرها على الحدود الشرقية مع سوريا. صحيح أن باريس المؤيدة لـ "حياد" البطريرك لم تعلن تبدلا في الموقف من طبيعة مهام القوات الدولية، إلا أن أوساطا فرنسية تحدثت عن إمكانية دعم مطالب واشنطن، خصوصا بأن الولايات المتحدة تهدد بوقف مهام اليونيفل وانهاء خدماتها.

على أن حزب الله يمهد الظروف للإطاحة بـ "بدعة" الحياد من خلال رد موعود ضد إسرائيل من جنوب لبنان انتقاما لهجوم إسرائيلي على موقع لحزب الله في سوريا (الإثنين الماضي). وفيما قواعد الاشتباك المنطقية تملي رد فعل مفترض من سوريا كونها ميدان الفعل، فإن حزب الله يفرض على لبنان منطقه وأجندته وأجندة طهران من ورائه، مؤكدا للداخل هيمنته الكاملة على قرار الحرب والسلم في البلد، ومؤكدا للخارج أنه العنوان الحصري الوحيد لنقاش مسائل الأمن والاستقرار والإصلاح ومصير التفاوض بشأن الحدود البرية والبحرية بين لبنان وإسرائيل.

لا يهم رأي حزب الله في دعوة البطريرك إلى حياد لبنان. فالحزب حتى لو وافق على المبدأ (وهو غير موافق)، فإن كلام النهار يمحوه سلوك الليل. فهو كان من الموقعين على إعلان بعبدا (يونيو 2012) لتحييد لبنان واعدا الالتزام ببنوده، ولم يمنعه ذلك من التدخل العسكري في سوريا وميادين أخرى، مستخدماً البلد لشن حملات ضد دول خليجية صديقة لحساب جمهورية الولي الفقيه في إيران.

يطلق شعار "مجد لبنان أعطي له" على بطريرك الموارنة. سبق لمنابر قريبة من حزب الله أن انتقدت الشعار وحصرية البطريركية به. يبدو السجال هذه الأيام مواجهة بين معنيين للبنان، واحد ينهل حقه من تاريخ البلد، وواحد ينهل سطوته من راهن بلد آخر.