لا شيء يعلو على صوت الانتخابات الأميركية، ومثلما أن هناك انحيازا إعلاميا صارخا، هناك انحياز شعبي أيضا.

فالانقسام الحزبي والأيدولوجي بلغ مراحل غير مسبوقة، لدرجة أن النقاش حول الجمهوريين والديمقراطيين، أي حول الرئيس ترامب والمرشح بايدن، بات يتحول فجأة إلى جدل، بل إلى معارك كلامية حادة، فحالة الاستقطاب على أشدها، ومع أن التنبؤ بالفائز في هذه الفترة عموما، أي قبل حوالي 4 أشهر من الانتخابات أمر صعب، فإن التنبؤ هذا العام أمر غاية في الصعوبة، لأن المعايير التي يتم على ضوئها قراءة الأحداث بدقة، وبالتالي التنبؤ، أصبحت غير دقيقة.

الإعلام التقليدي، الذي جرت العادة أن يكون مؤشرا قويا على توجه بوصلة الناخبين، لم يعد كذلك، لأنه أصبح منحازا بدرجة كبيرة، ويصح وصفه بأنه أصبح إعلاما حزبيا لا وطنيا، علاوة على أن نتائج الانتخابات الرئاسية الماضية أثبتت تصدع معيار الإعلام في التنبؤ بهوية الفائز، فما الذي حدث؟

في عام 2016، تنبأ معظم المعلقين بفوز هيلاري كلينتون بالرئاسة، لأن تغطيات منصات الإعلام التقليدي كانت تشير إلى ذلك، وهي ذات المنصات التي كانت تغطياتها خلال سباقات الانتخابات السابقة لها تشير إلى فوز باراك أوباما وجورج بوش الابن وبيل كلينتون ومن سبقهم من الرؤساء.

لكن هذا المعيار سقط سقوطا مدويا في الانتخابات الماضية عندما جاءت النتيجة مفاجئة للجميع بإعلان فوز ترامب، وتأخرت هيلاري كلينتون كثيرا في الاعتراف بالهزيمة لسببين، الأول هو الصدمة التي أصيبت بها، والثاني هو عدم إعدادها لخطاب تقبل الهزيمة لأنها كانت واثقة من الفوز.

لهذا لا أعتمد على معيار الإعلام التقليدي حاليا، ولو اعتمدنا عليه فإن التنبؤ سيصبح تبعا للمنصات التي تتابعها، فإن كنت تتابع قنوات "سي إن إن" و"إم إس إن بي سي" ستتنبأ بهزيمة منكرة لترامب، أما إذا كنت من متابعي "فوكس نيوز"، فإنك ستجزم بأن الأمور تسير لصالح الرئيس، مع التأكيد على أن انحياز الأخيرة أقل بكثير من انحياز المنصات المضادة لترامب.

وما كتبته عن معيار الإعلام ينطبق على المعيار الثاني، وهو المعيار الأهم تاريخيا، أي استطلاعات الرأي، فقد جرت العادة قبل الانتخابات الرئاسية الماضية أن يكون هذا المعيار دقيقا، لأن الانحياز حينها كان في حدوده الدنيا، ولنتذكر أن استطلاعات الرأي زفّت الرئيس ريتشارد نيكسون للرئاسة في معركة إعادة الانتخاب عام 1972 قبل عدة أشهر من الانتخابات، وذات الشيء حصل مع الرئيس رونالد ريغان في معركة إعادة انتخابه الشهيرة ضد الديمقراطي والتر مونديل في عام 1984، وكذلك مع اوباما في 2012.

لكن في الانتخابات الماضية سقط هذا المعيار أيضا، إذ لم تكتف استطلاعات الرأي بالإشارة إلى تقدم هيلاري كلينتون على ترامب، بل كان التقدم بفارق كبير، فهل يصح أن نصدق استطلاعات الرأي الحالية التي تكرر ما حدث في 2016 وتمنح جوزيف بايدن تقدما على ترامب خصوصا في الولايات المتأرجحة؟

الخلاصة هي أن أهم معيارين للتنبؤ بسير الانتخابات قد فقدا أهميتهما منذ السباق الماضي، فهل يعني هذا أنهما فقدا أهميتهما الآن أيضا؟ هذا ما ستجيب عليه نتائج الانتخابات المقررة بعد عدة أشهر.