إيجاد حالة التوازن النسبي المطلوب في العلاقات الأمريكية الإيرانية يعد المطلب الأكثر إلحاحاً من قبل الإدارات الأمريكية المتعاقبة.

ففي حين فضلت إدارة الرئيس بوش الإبن اعتماد الجزرة لضمان انخراط طهران في مفاوضات بشأن برنامجها النووي، استبدلت إدارة أوباما ذلك بالمهادنة والاسترضاء.

الثابت المؤثر والوحيد هو ما نسج من رواية حددت منهجية نظرة الأمريكان للجمهورية الإسلامية في إيران، أي "إيران" وليس "الجمهورية الإسلامية"، انطلاقاً من مبدأ التوازن الديني مذهبياً لتحقيق الاستقرار المنشود في الشرق الأوسط، حتى وإن تطلب ذلك إعادة صياغة الجغرافيا السياسية للمنطقة.

طهران لم تكن الطرف المستفيد الأوحد من تلك الاستراتيجية، فقد حقق التوافق الأمريكي الإسرائيلي نفس الأهداف الاستراتيجية لإسرائيل، بعد إقناع الفلسطينيين بضرورة التفاوض المباشر خارج إطار الأمم المتحدة. الثابت الوحيد لحقبة ما بعد تسعينات القرن الماضي هو سطوع نجم التيارات الدينية الراديكالية سياسياً (شيعياً وسنياً واسرائيلياً). مثل ذلك الضامن لعدم تلاقي المسارات السياسية على أسس تحقيق المصالح المشتركة، والانغماس المشترك في استدامة حالة عدم الاستقرار.

إدارة الرئيس ترامب، بوصفها الوريث الشرعي لكل ما تقدم، اعتمدت فرضية "الأمر الواقع" على جميع الأطراف، مع الإبقاء على أفضلية إسرائيل (كونها الأقلية من المنظور السياسي الاجتماعي الأمريكي)، وبذلك تحقق إدارته ما فشلت الولايات المتحدة في تحقيقه منذ 1948. ما لم يكن في حسبان الرئيس ترمب هو رفض طهران ذلك انطلاقاً من تخليه عن مبدأ التوازن القطبي الشيعي (طهران) والسني (أنقرة)، واشتراطه اعتراف الجميع باستحقاقات الرياض (الدولة المركزية). لذلك قررت طهران ممارسة المزيد من الضغوط  المباشرة وغير المباشرة على واشنطن، ومثّل تهديد الملاحة في هرمز التصعيد الأكبر منذ عملية فرس النبي في أبريل 1988.

قد يقرأ بعض المراقبين المواجهات بين الولايات المتحدة وإيران في العراق خارج إطار العتب السياسي، أي تحجيمها السياسي كما يرغب البنتاغون في ذلك، إلا أن الولايات المتحدة ترغب في الإبقاء على شعرة معاوية مع طهران عبر قنوات غير مباشرة، إن تعذر المباشر منها مخافة انزلاقها كلياً في أحضان الصين. فالجغرافيا السياسية الإيرانية ذات حيوية استراتيجية، خصوصاً حال تفعيلها كأداةٍ في احتواء الصين. لذلك تجتهد الولايات المتحدة في الحفاظ على تماسك الجغرافيا الإيرانية رغم سياسة "الضغط الأقصى Maximum Pressure" المعتمدة من قبل إدارة الرئيس ترمب. فأهداف الحملة تطويعية مهما بلغ الاستهداف الرمزي لوسائط إيران السياسية في العراق.

إنطلاقاً من تلك القناعة التي أثبت واقع الحال السياسي صحتها حتى قبل نهاية الحرب العراقية الإيرانية، بعد أن برهنت طهران، عبر قنوات غير مباشرة مع إسرائيل، عن براغماتية ارتأتها واشنطن مدخلاً بأقل الكلف السياسية حينها. واشنطن لن تغير من نظرتها الاستراتيجية لإيران بغض النظر عن النظام السياسي الحاكم فيها، وحتى في ظل ضبابية المشهد السياسي القائم، إلا أن واشنطن لن تتخلى عن البحث عن ذلك التوازن المنشود مع طهران، وطهران لن تألُ جهداً في توظيف ذلك لاستدامة نظامها المتهالك اجتماعياً.