قد يكون سرياليا وضع اللبنانيين داخل جدل يراد منه المفاضلة بين رئيس الحكومة حسان دياب وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة.

فليس لدياب أي تغطية شعبية أو طائفية تمنحه الشرعية التي يمكن أن يتسلح بها لقيادة حملة ضد النظام المصرفي اللبناني وحاكم المصرف المركزي.

وليس سلامة منزّها عن كمّ من الخطايا التي ارتكبت خلال العقود الأخيرة، والتي تتحمل جزءا، من مسؤولية الانهيار الاقتصادي الحالي في البلاد.

والواقع أن دياب لا يمثل إلا من أخرج ورقته يوما ودفع بها فجأة وفرضه رئيسا للحكومة.

الرجل لم يُنتخب يوما ولا هو واجهة لطائفته ولا ينتمي إلى بيت سياسي بإمكانه مقارعة البيوتات السياسية التقليدية والمستحدثة في لبنان.

يترأس دياب حكومة سياسية (تحت مسمى اختصاصيين) تمثل فريق حزب الله وحلفائه.

ولم يثبت دياب يوما منذ تبوئه منصبه أن لديه هامش مناورة مستقل بالحيثيات التي تليق بموقع السنّة الأول في لبنان.

كما أنه لم يلعب في أي لحظة خارج السياق الذي يعلن عنه رئيس الجمهورية ميشال عون وصهره جبران باسيل، وهو سياق دائم الرعاية والدعم من قبل حزب الله.

يخوض دياب عن سابق تصور وتصميم معركة الفريق العوني وحزب الله ضد حاكم مصرف لبنان.

لم يكن أي رئيس حكومة سني متمرسا ليخوض معركة ضد موظف ماروني من الدرجة الأولى وفق تقاليد المباح وغير المتاح في التقاليد السياسية اللبنانية.

لا يمكن لأمر كهذا أن يمر، وفق روحية "الطائف" إلا من خلال شخصية "مخترعة" مقحمة إلى السرايا الحكومي.

ولا يعبر الخطاب الانفعالي الذي أدلى به رئيس حكومة لبنان ضد سلامة إلا عن ضعف بنيوي في طباع إدارة الحكم وعن عجز خطير تعانيه "حكومة حزب الله" في معالجة معضلات البلد الاقتصادية.

يصف الزعيم الدرزي وليد جنبلاط دياب بأنه "لا شيء". تقدم حسان دياب إلى موقع الوزارة يوما وموقع رئاسة الحكومة يوما آخر آتيا من وظيفته الأكاديمية في الجامعة الأميركية في بيروت.

أُريد للأمر أن يوحي أن الرجل يحظى بـ"عدم ممانعة" وربما رعاية مصدرها واشنطن. لم يكن الأمر كذلك أبدا، ذلك أن الإدارة الأميركية تكاد لا ترى هذه الحكومة ولا تلحظ وجودها ولا يبدو أنها ستعطي أي ضوء أخضر لضخ المساعدات المالية الخارجية، الحكومية والخاصة، إلى بيروت طالما هذه الحكومة، بالذات، تمثل واجهة لبنان السياسية في العالم.

يدرك حزب الله ذلك جيدا، وهو إذ يخوض معركته ضد حاكم مصرف لبنان من خلال حكومته ورئيسها، فإنه يتحرش بالولايات المتحدة على نحو شبيه بتحرش الزوارق الإيرانية بسفن البحرية الأميركية المنتشرة في مياه الخليج.

ولئن أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أوامر بتدمير تلك الزوارق في حال كررت فعلتها، فإن واشنطن قد فرضت، ومنذ عهد إدارة باراك أوباما، كمّا من التدابير والعقوبات "المدمِّرة" للحزب على النحو الذي يجعل من التصويب على رياض سلامة ردا مرتجلا للحزب على حرب واشنطن ضده.

ليست معركة حزب الله ضد الفساد، فهو متحالف معه شريك في آثامه. تعود معاناة اقتصاد البلد إلى مليارات صرفت في قطاع الكهرباء، ومزاريب الهدر ومنافذ التهريب وفساد طبقة سياسية يحميها الحزب ولا يعاديها إلا إذا عادته وعادت مصالح إيران في البلد.

يئن اقتصاد البلد بسبب تلك القطيعة التي سهر حزب الله على إحداثها مع دول شقيقة وصديقة لطالما كانت مورد دعم وبحبوحة للبلد.

معاناة اقتصاد لبنان تعود إلى أن العالم الذي هيأ مؤتمر "سيدر" ترياقا مشروطا بالإصلاح، بات مستقيلا من التعامل مع بلد يتحدد قراره في طهران.

قبل أيام نشرت جريدة "الأخبار" المقربة من حزب الله مضمون الاجتماع الأخير بين دياب وسلامة. أخذ دياب على سلامة عدم تدخل المصرف المركزي لمنع تدهور سعر الليرة أمام الدولار.

قالت الصحيفة إن سلامة أبلغ رئيس الحكومة أن احتياطيات المصرف لا تسمح بالتدخل وأن تدابير المصرف لا يمكن أن تنقذ الاقتصاد. وأضافت الصحيفة أن سلامة أبلغ دياب أن على حكومته أن تأتي بـ15 مليار دولار فورا من الخارج لحل الأزمة.

تكاد صحيفة الحزب، ربما دون أن تقصد، تقدم حاكم مصرف لبنان مؤنِّبا لرئيس الحكومة وليس العكس، فيما أن ما نقل عن سلامة من عزمه الرد على مطالعة دياب "الانقلابية" يشي بأن الحاكم يعلم ما لا يعلمه دياب ويعلمه حزب الله بدقة.

والمفارقة أن دياب قد يذهب ويبقى الحاكم في مصرفه، ذلك أن اللاعبين يتخلون متى أرادوا عن "اللاشيء" في لعبتهم.