تسعى حكومة حسان دياب في لبنان إلى التلويح بعلاجات قادمة لأزمة البلاد الاقتصادية المزمنة. والحكومة التي توصف بأنها "حكومة حزب الله" من ألفها إلى يائها تبشّر في ما يتسرب من خطط اقتصادية إنقاذية أن البلد قادر بقواه الذاتية على معالجة علل العجز والوهن والتصدع والاستنزاف الذي يفتك بالبنيان الاقتصادي في البلد ويزيد إفقار اللبنانيين إلى حد الجوع.

لسان حال بيروت هذه الأيام، وفق عقائد حزب الله المستوحاة من عقائد طهران في مواجهة العقوبات الأميركية، أن البلد لن يعتمد على المساعدات التي كانت تأتيه تقليدياً وعلى مدى العقود الأخيرة من الخارج، وأن البلد لن يتعامل، كما تعاملت دول أخرى (بما فيها مصر التي باتت صاحبة تجربة في هذا الشأن)، مع صندوق النقد الدولي.

وعلى هذا يدفع حزب الله "حكومته" إلى تبني "اقتصاد مقاوم" يغرف من مال المودعين في مصارف البلد، أي الاستيلاء على القوة المالية المحلية، سواء تحت عنوان الـ "كابيتال كونترول" أو سبيل الـ "هيركات" الذي اعتمدته دول متعثرة أخرى. وفي ما يرمي إليه الحزب تطويعٌ للنظام المصرفي برمته وجعله خاضعا، كما بقية مؤسسات البلد لأجندته وأجندة طهران من ورائه، كما السيطرة الكاملة على رأس المال اللبناني الأهلي وجعله أداة من أدوات "الجهاد ضد الاستكبار".

على أن العالم المنشغل بجائحة كورونا يراقب ما تحيكه حكومة دياب من خطط تكاد تمثل وصفة لتكريس سقوط النظام اللبناني بشكل رسمي و "شرعي" في يد حزب الله. تتأمل العواصم، بمناسبة الجائحة نفسها، سعي الحزب إلى التبشير بنموذجه الذي يواجه به الفيروس في مناطق نفوذه (بصفته نموذجا ينافس النموذج الصيني!)، كما سعي الحزب إلى تضخيم صورة وزيره في الحكومة، وزير الصحة حمد حسن، ونشر صور له بعد تدخل الفوتوشوب، منهكا متفانيا، لوحده، في التصدي للفيروس الخبيث.

يدرك حزب الله أنه غير قادر على إنقاذ لبنان من مأزقه الاقتصادي بالأدوات التي تلوّح بها حكومة دياب قبل أن تتراجع عنها وتلوّح بغيرها في لعبة شراء وقت مكشوفة. يدرك الحزب أن لبنان يحتاج إلى دعم مالي كبير من الخارج، وأن هذا الخارج لم يعد مستعداً، كما كان يفعل سابقا، على تمويل "دولة حزب الله".

لم تعد العواصم العربية منفتحة، لا سيما الخليجية منها، على دعم لبنان وتحمل أذى الحملات الشرسة التي يطلقها أمين عام الحزب ضد السعودية والإمارات والبحرين لحساب طهران كما أذى التسلل الأمني الخطير الذي ارتكبه الحزب داخل دولة مثل الكويت. لم تعد تلك الدول مصدر عطاء وكرم مجاني حبا بـ "لبنان الشقيق"، وأنه بات للدعم المالي أثمان من الاحترام وجب على لبنان، بحكومته و "حزبها" والتيارات السياسية جميعها دفعها.

يجهد حزب الله لدفع استحقاق التعاون مع صندوق النقد الدولي بأي ثمن. كان نائب الأمين العام للحزب، الشيخ نعيم قاسم، اعتبره أداة من أدوات الاستكبار، فيما الرئيس الإيراني حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف، بغطاء كامل لا لبس فيه من قبل المرشد، علي خامنئي، يناشدون الصندوق الموافقة على قرض بقيمة 5 مليارات دولار. لا يخشى الحزب ما سيفرضه الصندوق من شروط لوقف مهزلة التسيب والهدر والفساد المالي في البلاد فقط، بل أنه يخشى أن تكون علاجات الصندوق تتطلب دولة قادرة قوية على حساب دويلة السلاح الذي يتباهى بامتلاكه.

لا يريد حزب الله هيئات دولية مالية تقفل المعابر غير الشرعية التي يديرها لحساب حربه في سوريا أو لحساب اقتصاد مواز ينهش -من خلال التهريب- جسم الاقتصاد اللبناني العليل. ولا يريد الحزب مراقبة مالية دولية تنهي وجوده الأمني الملتبس في مطار بيروت وبعض مرافئ البلد. يعرف الحزب أن تلك الحقبة إلى زوال وأن المنطقة برمتها ذاهبة إلى مستقبل آخر يضع نهاية لحقبة الميليشيات الإيرانية من بغداد إلى بيروت (راقب الجائزة التي وضعتها واشنطن للإدلاء بمعلومات حول القيادي في حزب الله محمد كوثراني لعلاقته بمليشيات عراقية تابعة لإيران).

لن تستطيع حكومة دياب، ولا تملك إمكانات، وليس مطلوبا منها أصلا، تفكيك النظام الاقتصادي المعمول به في لبنان منذ استقلاله عام 1943. ولن تستطيع تلك الحكومة اختراع ترياق عجائبي لم يخترعه العالم قبلها لمعالجة أزمات البلدان المتعثرة خلال قرن. ثم إنه في زمن الكورونا، بات تعثر الدول قاعدة عامة لن يتمتع لبنان بأي تميز أو خصوصية في مشهدها، وأن المخرج الوحيد لأكبر أزمة اقتصادية لا سابق لها في تاريخ البلد لن تكون إلا سياسية تصالح البلد مع محيطه العربي أولا ومع دوائر العالم تاليا.

يعرف حزب الله ذلك جيدا وهو يعمل على الإمساك جيداً بمفاصل الدولة ليكون الواجهة الأولى لأي تسويات أو تنازلات يقدمها لبنان. لا يهم شكل تلك التنازلات وحدتها (الإفراج عن عامر الفاخوري بضغوط أميركية مثالا)، المهم أن يكون حزب الله ومن ورائه طهران راعين لها.