في وقت يتحدث الخبراء عن العالم في مرحلة ما بعد الكورونا، نحتاج إلى أن نفكر في مرحلة منطقتنا في ما بعد كورونا. أسئلة كبيرة ومهمة ودقيقة نحتاج طرحها على الخبراء والمسؤولين باحثين عن أجوبة صادقة صريحة حول ما سنواجهه.

أسئلة حائرة تدور حول الوضع السياسي في المنطقة، تحولات القوى، القوة الاقتصادية واستمرارها من عدمه، الترابط الاجتماعي، ودروس وعبر من الجائحة.

نجد في وسط هذه الأسئلة نواحي إيجابية وسلبية، لعل من أهم الإيجابيات أن حكومات عدة في منطقتنا أثبتت قوتها ورقيها وإنسانيتها وحرصها على شعوبها٫تولت المسؤولية بحرص كبير وحاولت تلافي اخطاء غيرها.

لكن الوقت يمر وعلينا أن نسارع إلى طرح المسائل التي تحتاج إلى قراءة تراعي أن مصير الشعوب مرتبطة بحسن التصرف ودراسة موازين القوى وتحولاتها.

تمر إيران بمصاعب كبيرة فهي وسط دوامة من العقوبات الاقتصادية واستشراء كورونا المحدث في جنباتها، لذا التوقعات بأن النظام هناك يتآكل من داخله، وحتى لو لم يسقط، فهو لن يعيش قويا كما كان مرهوبا ينثر مخالبه في كل جوانب المنطقة، قد يستمر في التحرك لكنه سيواجه مصاعب كبيرة وتحديات لعل أهمها استشراء ”الأنانية الوطنية“ عالميا.

بدأت دول وشعوب الشرق الأوسط في تقليص دائرة عملها وسط جائحة كورونا لتركز على الداخل وقضايا مهمة ومصيرية وخانقة، ولا ينتظر لهذه الحكومات أن تتنسم هواء التدخل في شؤون غيرها إلى فترة طويلة من الزمن، وحتى إن أرادت فلن تستطيع النجاة سوى تلك الدول التي عملت بقوة وفاعلية لتجاوز الأزمة، تلك الدول التي استطاعت إدارة الأزمة الداخلية بعناية ونجاعة ووفرت احتياجاتها من السوق الدولية وقبل ذلك الداخلية، واستطاعت تفعيل قواها الإنتاجية وتمكنت من تنظيم علاقاتها الدولية وأصبحت مساهما فعالا في العمل الدولي لمكافحة تبعات الأزمة، ليس بالشعارات فقط والمبالغة اللفظية.

ستنجح دول شرق أوسطية معدودة في تجاوز أزمة كورونا إذا نجحت في تطهير أراضيها من الفيروس، وفحص القادمين اليها قبل دخولهم أرضها عبر تعاون وأنظمة دولية، وتمكنت من استمرار تدفق البضائع منها وإليها عالميا.

قوة أي دولة ليست فقط في قواها العسكرية، فهناك دول تملك السلاح النووي لكنها ضعيفة التأثير دوليا وحتى اقليميا، والسبب أنها لا تتمتع بإدارة داخلية ناجحة ولا توفر لشعبها احتياجاته، ولا تسهم في الاقتصاد العالمي بشيء يذكر، بل قد تكون عبئا ثقيلا.

الدول التي ستعبر جسر الكورونا بسلام، هي تلك التي تمكنت من إدارة الأزمة بشكل يحمي مواطنيها ولا يضعف قواها، وهنا يبرز سؤال مهم وهو أن أسعار النفط منخفضة جدا وفي وقت تحتاج الدول لمداخيل كبيرة لمواجهة فاتورة التجهيزات الطبية المضادة لكورونا المحدث وتوقف إنتاجية معظم مصانعها، بالطبع ستعمد الدول لاحتياطاتها والاستدانة، وهذا سيشكل ضغطا كبيرًا على قدراتها المالية، وسيضر بموقفها وقوتها، لكن من في هذا العالم من لا يعمد لذلك وخاصة الدول المتقدمة اقتصاديا والتي وضعت ميزانيات بالتريليونات للمواجهة.

من هي الدولة في المنطقة التي استفادت من الأزمة بتلمس النواقص وتعزيز القوى، والدخول في تحالفات جديدة بعد التغير المتوقع في خارطة القوى. الجواب هي الدولة التي استنفرت قواها للأزمة مبكرا، والتي تضرب مثالاً طيبا للآخرين.