الوصول لتفاهم أوبك+ مع الاتحاد الروسي، أكبر المنتجين خارج منظومة أوبك حينها، كان بمثابة الضمان لاستقرار أسواق الطاقة، وللحد من تأثير بعض المنتجين "المستقلين" على ذلك الاستقرار المنشود، عبر الالتزام بسقوف الإنتاج.

إلا أن انهيار أوبك+ كان لأسباب سياسية وليس بسبب الاختلاف على سياسات الإنتاج بين الشركاء، ولا مبرر لتحفظ موسكو على خطوة تخفيض الإنتاج لدعم استقرار الأسعار، وكذلك هو الحال بالنسبة للمنتجين الأميركيين.

لطالما أبقت المملكة العربية السعودية النفط خارج المعادلة السياسية، منذ حرب أكتوبر، لأنه سلعة استراتيجية، ولأنها تدرك هشاشة الاقتصاد العالمي الآن مع تعاظم ما يواجهه من عدم استقرار سياسي، وحرب نفوذ بين الولايات المتحدة والصين، ويضاف إلى ذلك الشلل المتعاظم نتيجة انتشار فايروس كورونا.

تخلي دول بحجم الولايات المتحدة وروسيا عن مسؤولياتها من دعم الآليات المحفزة للاستقرار الاقتصادي عالمياً ألقى بظلاله خلال أزمة كورونا. فتأخُّر الصين في الإفصاح عن حجم انتشار الفايروس أسهم في تحوّل الأمر إلى أزمة دولية، وكذلك كان الحال حين تأخرت الدول في فرض حظر الانتقال مخافة تكبّد خسائر اقتصادية، فكانت نتائج ذلك كارثية.

من هنا جاءت الرغبة السعودية في وضع تصوّر يخدم استقرار الأسعار، وفي نفس الوقت يخفف آثار وباء كورونا على المنتجين. إلا أن انشغال الروس والأميركيين بأمر إعادة التموضع في سوق الإنتاج كان الأولوية، بدل دعم الاستقرار وتحميل "العربي الجشع" نتائج ذلك.
وعلى ما يبدو أن ذلك ما دفع الرياض لاتخاذ قرار رفع الإنتاج اليومي لحدوده القصوى من أبريل المقبل، بواقع 13 مليون برميل في اليوم، مع إعطاء خصومات لزبائنها الكبار والجدد.

استراتيجياً، اتخذت الرياض القرار المناسب. فالاقتصاد العالمي لن يحتمل جولة جديدة من الاستنزاف السياسي بين واشنطن وموسكو، والحال نفسه من استخدام الولايات المتحدة ثقلها السياسي في الضغط على الزبائن لتفضيل النفط الأمريكي على سواه.

اليوم، وبعد تراجع الطلب العالمي وانهيار الأسعار بسبب وباء كورونا، نجد الرئيس ترمب يلمّح إلى ضرورة تقديم حزم دعم مالي لقطاع النفط الأميركي، وخصوصا لمنتجي النفط الصخري الذي كان فرس سبقه في تحجيم السعودية وروسيا في سوق الطاقة العالمية، والتي غدت اليوم عرجاء في سباق عوّل عليه كثيرا.

يلاقي القرار السعودي استحسان المشتري في محطات التجزئة، وهو القلق دوما على أمنه الاقتصادي، وأمنه الصحي نتيجة فايروس كورونا. وبمراجعة حجم القطاعات المتأثرة بانتشار كورونا، نجده قد وصل لكل بيت حول العالم دون استثناء، وأثبت ألا وجود لحصانة لدى أي قطاع من قطاعات الاقتصاد العالمي.

هذه ليست المرة الأولى وقد لا تكون الأخيرة، التي تستهدف فيها المملكة العربية السعودية في حرب استنزاف سعري، إلا أن ما فاجأ الجميع هو سرعة إنفاذ القرار الذي أربك الكبار، وذلك ما يجمع عليه غالبية المحللين في القطاع النفطي، وحجم الحجوزات على ناقلات النفط السعودية المقدمة من زبائنها يؤكد سلامة القرار. أي حرب استنزاف سعري ستضر بالجميع، إلا أن ما فات الخصوم هو تعافي الاقتصاد السعودي النسبي من الإدمان على النفط، ونمو قطاعات قادرة على رفد الاقتصاد الوطني رغم التحديات.

وعلى الجانب الآخر سوف تفشل محاولات المنتجين المارقين لأن كلفة الإنتاج لبرميل النفط السعودي هي الأدنى بين الكبار بالإضافة لطاقاتها الكامنة، هذا عدا عن تحولها في المستقبل القريب أو المتوسط إلى لاعب رئيس في سوق الغاز.

دور المملكة العربية السعودية حيوي جيو-سياسيا وجيو-استراتيجيا، والرياض ستستضيف قمة العشرين في نوفمبر 2020، وليس من المقبول افتراض وقوفها تتفرج والكبار يتخلون عن مسؤولياتهم تجاه الاستقرار الدولي سياسيا واقتصاديا. وجنوب الكرة الأرضية لا يزال أبشع مسارح صراعات الكبار غير المسؤولة أخلاقيا وسياسيا، ويتوجب عليه الآن أن يُسمع صوته للعالم. وتخلي الرياض عن اوبك+ ورفع إنتاجها اليومي إلى حدوده القصوى وإعلان الإمارات استعدادها مماثلة ذلك يعد بمثابة تحول السعودية من منتج رئيسي إلى الضامن الوحيد لاستقرار سوق الطاقة العالمي.