على مدى الأسابيع القليلة الماضية أثار التيار الصدري الكثير من الغضب والتساؤل في أوساط المحتجين المدنيين وداعمي الاحتجاج، إذ بدا لهم انسحاب التيار المفاجئ من الاحتجاجات وسعي ذراعه المسلحة، القبعات الزرق، التي أنشئِت لحماية المحتجين لتفكيك الاحتجاجات بالقوة فعلاً غادراً يخدم الحكومة والطبقة السياسية الحاكمة التي يجاهر التيار الصدري بمعارضتها.

كان استخدام السيد مقتدى الصدر حجة "تنظيف" الاحتجاجات من "المخربين والمندسين" في تبرير دعوته للقبعات الزرق للتعاون مع القوات الأمنية في مواجهة الاحتجاجات استعارة واضحة من الخطاب الحكومي الذي شيطن الاحتجاجات لنزع شرعيتها القانونية والأخلاقية وبالتالي لتسويغ قمعها. كان كامل المشهد يوحي باصطفاف كامل وغريب للتيار مع الطبقة السياسية ضد أغلبية عراقية ناقمة بشدة على هذه الطبقة.

لم يؤدِ لا انسحاب الصدريين من ساحات الاحتجاج ولا محاولة القبعات الزرق تفكيك الاحتجاجات إلى نهايتها. ما حدث هو العكس إذ أدى التحدي الصدري للاحتجاجات إلى تصاعد زخمها، ليملأ محتجون آخرون مدنيون الفراغ الذي تركه انسحاب الصدريين منها.

فيما بعد ورغم تراجع التيار عملياً عن قراره مواجهة الاحتجاجات وعودته إليها، فإن أزمة الثقة بين المدنيين والصدريين تعمقت كثيراً لتصل إلى حد التعريض الواسع بالسيد الصدر نفسه عبر حملة إعلامية كبيرة في مواقع التواصل الاجتماعي شنها مؤيدون للاحتجاج استهدفت الرجل وتغريداته وإعلاناته السياسية.

وللتشكيك بسلوك التيار ومواقف زعيمه، استغلت هذه الحملة، على نحو ليس عادلاً دائماً، اللغة الخاصة التي يستخدمها الصدر بمزجه المعتاد بين روح تلقائية صريحة ولمسة شخصية حادة أحياناً واندفاعات شعبوية ساخطة أصبحت كلها العلامة الفارقة التي ميزت الرجل عن سواه من الساسة العراقيين. لكن من خلال هذه الحملة، بجرأتها اللافتة، أصبح الصدر أيضاً سياسياً آخر شبيهاً بالسياسيين العراقيين لجهةِ تلقيه، مثلهم، سيلاً هائلاً ومتواصلاً من النقد القاسي والتندر المرير، يبدو أنه ساهم في تغيير قناعات الرجل بصحة قراراته الأخيرة قاده في آخر المطاف لأن يتراجع عنها. على نحو ما، رفعت هذه الحملة أحد الموانع المعنوية أو النفسية التي كانت تحول دون انتقاد الصدر أو السخرية منه من جانب قسم كبير من الجمهور.

لعل إحدى كبرى خسارات التيار الصدري من المواجهة الأخيرة مع المدنيين وداعمي الاحتجاج هو فقدانه لتلك الحماية المعنوية التي كان يتمتع بها زعيمه لدى أغلبية الجمهور العراقي. كما أظهرت كل تجربة المواجهة هذه حدود قوة التيار الصدري في الشارع من خلال عجزه عن التحكم به هذه المرة فضلاً عن بروز أهمية الغضب الشعبي التلقائي بوصفه مصدر تعبئة مهم سياسياً واحتجاجياً.

لكن بعيداً عن حسابات الربح والخسارة في مشهد المواجهة بين الصدريين والمدنيين، أعادت المواجهة إثارة السؤال القديم في إطار جديد بخصوص فهم التيار الصدري وكيفية التعاطي معه.

كان مثلاً أمراً مثيراً للتساؤل والحيرة أن جمهوراً صدرياً كبيراً شارك بفعالية على مدى أشهر شاقة في الاحتجاجات دافع فيها عنها وقدم تضحيات لأجلها لينقلب عليها فجأة بسرعة لافتة ويحاول إنهاءها بسبب تغريدتين من زعيمه في غضون أيام قليلة!! لم يمر مثل هذا التغير، مثل معظم التغيرات الكبرى في السلوك السياسي للتيار، بصيرورة صناعة قرار داخلية تشارك فيها مؤسسات التيار المختلفة.

هل هذا تيار تقوده الأفكار وتأثيرها في الواقع أم الولاء غير المشروط لشخص زعيمه؟ أم أنه خليط بين الاثنين يصعب تلمس الحدود الفاصلة بينهما؟ تكمن بداية الإجابة عن هذا السؤال الصعب في فهم طبيعة الجمهور الصدري ومحركاته الحسية.

يمثل التيار الصدري نقطة وسطاً بين الدين والسياسة، بين تمنيات سماوية ومطامح أرضية لم تتشكل العلاقة بينهما على نحو واضح كي تنتج هوية متماسكة للتيار.

من هنا، يبرز التيار الصدري كخليط فكري يعوزه الانسجام على شكل حركة دينية-سياسية، تتعايش فيها مذهبية شيعية ووطنية عراقية لا تضبط إيقاع العلاقة المعقدة بينهما محاولة لصياغة رصينة فكرية أو مؤسساتية، بل تترك مهمة الضبط الصعبة هذه لزعيم التيار نفسه، ليصبح تتبع التحولات الشخصية لدى السيد الصدر تتبعاً للتحولات العامة المحتملة في التيار.

لا يمكن لمثل هذه العلاقة الهرمية، غير المألوفة في عالم السياسة، بين القاعدة الشعبية وزعامتها السياسية أن تستمر من دون درجة عالية من الولاء الشخصي للزعيم يغذيه إحساس قوي لدى هذه القاعدة باستثنائية الزعيم والبعد الخلاصي- الإنقاذي فيه، وبالتالي استحالة الشك في الصحة العميقة أو الطويلة المدى لقراراته، حتى وإن بدت ظاهرياً مضرة على المدى القصير.

الفشل في حسم العلاقة بين البعدين المذهبي والوطني في التيار الصدري عبر توليفة متماسكة بين الاثنين أخذ التيار على درب تأرجح طويل بين هذين التقليدين على نحو أضر بالتيار كثيراً. منذ تشكل التيار مؤسساتيا في 2003 كان هذا التأرجح واضحا في سلوكه، فمن جانب رفع التيار مبكراً شعار المقاومة وسلاحها ضد عدو أجنبي دفاعاً عن وطن اعتبره التيار مُحتَلاً، لكن من جانب آخر دخل التيار في تحالفات الطائفية السياسية التي قوضت فكرة الوطنية العراقية وساهمت في صناعة الخراب الحالي.

ثم كان الدخول المسلح للتيار في الحرب الأهلية الطائفية العراقية، 2006-2008، عبر "جيش المهدي" نقطة مظلمة بارزة في تاريخ التيار بسبب فظاعات التهجير والقتل الطائفي بحق سنة عراقيين، في بغداد اساساً، ارتكبتها تشكيلات هذا "الجيش."  رغم شجاعة الصدر في إعلانه فيما بعد، في خريف 2007، قراره تجميد "جيش المهدي" ثم حله تالياً، لم يكن تفسير الرجل وتياره لهذه الفظاعات على أنها أفعال عناصر مارقة تصرفت من دون علم التيار وموافقته مقنعاً.

بدلاً من دخول التيار في نقاش واسع وصريح بين صفوفه بخصوص هذه الفظاعات ومعاقبة فاعليها وتشكيل وعي ومصدات مؤسساتية ضد بروز مثل هذه الفظاعات مستقبلاً، تمسك التيار، كمؤسسة وأفراد، بنفي عنيد ومتواصل عن مسؤوليته عنها.

إذا كانت السنوات الأولى بعد سقوط نظام صدام حسين، سنوات الاحتراب العراقي - العراقي، شهدت هيمنة البعد المذهبي في سلوك التيار الصدري، فإن سنوات الاستقرار القلق منذ 2011، مروراً بانهيار هذا الاستقرار بعد بروز تنظيم داعش وصولاً إلى استرجاعه بعد هزيمة التنظيم في 2018، شهدت هيمنة البعد الوطني على المذهبي في سلوك التيار.

في أثناء هذه الحقبة كانت مواقف زعيم التيار جريئة وشجاعة في تحديها للطائفية السياسية والفساد ومواجهتها للنزعات الديكتاتورية في الحكم. أيضاً، منحت الحرب ضد داعش التيارَ الصدري الفرصة لإعادة صياغة سمعته الطائفية، كفصيل مسلح، على أسس وطنية إذ كان الأداء المنضبط لـ"سرايا السلام،" الفصيل المسلح الذي شكله التيار لمحاربة تنظيم داعش، مثالياً مقارنة بانفلات "جيش المهدي".

مهدت هذه الحقبة الوطنية في قصة التيار السبيل لتعاطف الكثير من المدنيين معه الى حد استعدادهم الدخول في تحالف سياسي معه، برغم معارضة مدنيين آخرين لهذا التحالف مع تيار يعتبرونه ما يزال دينياً - مذهبياً في جوهره. تشارك الاثنان، الصدريون والمدنيون، في دعم احتجاجات تشرين والمساهمة فيها بفعالية، حتى برغم اختلاف الاثنين في كيفية فهم هذه الاحتجاجات والتعاطي معها. جاء "الانقلاب" الصدري المباغت على الاحتجاجات ليطيح بالثقة المتبادلة الهشة أصلاً بين الطرفين. 

لن يكون مفيداً هذه المرة أن يتمسك التيار الصدري بإنكار عنيد ومعتاد أنه لم يرتكب خطأ فادحاً بحق الاحتجاج والمحتجين والوطنية العراقية التي يريد التيار أن يرسخها كهوية له. الصحيح هو أن يقر التيار أن مثل هذا الخطأ يستحق تصحيحاً مخلصاً عبر نقاش صريح وواسع ضمن صفوف التيار ضمن سعي أكبر لتشكيل تقاليد مؤسساتية جادة فيه لصنع القرارات ومراقبة تنفيذها ومراجعتها.

هذا هو السبيل الوحيد الذي يمكن أن يقود التيار الصدري لأن يصبح مؤسسة رصينة وراسخة في الحياة السياسية العراقية، وليس مغامرة كبرى في السياسة تقودها تبدلات الزعيم الشخصية كما هو حال التيار الآن.