في التاسع من أكتوبر الماضي وفي رسالة لا تعير القواعد الدبلوماسية أي قدر من الاهتمام خاطب الرئيس الأميركي دونالد ترامب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بقوله: "لا تكن أحمقا " داعيا إياه إلى عدم مهاجمة الأراضي السورية، لكن إردوغان كان "أحمقا" وهاجم بقواته شمال سوريا.

 لم يكن ترامب مخطئا في تقدير رد فعل إردوغان، فهو يعرف أن هذه اللهجة ستثير الرجل المسكون بالغرور، وتدفعه إلى السير في الطريق الذي دعاه في الرسالة إلى عدم السير فيه، وهذا تماما ما كان يريده ترامب حتى لو تظاهر بعكس ذلك.

والواقع أن سجل الموصوف بالحماقة، المسكون بالغرور يشهد عديد المواقف الدالة على تلازم تلك الصفتين ورسوخهما في سلوكه.

وتحت تأثير هاتين الصفتين أقدم إردوغان على ارتكاب سلسلة من الأخطاء والخطايا، ويبدو أن المستقبل القريب سيشهد مزيدا من تلك الأخطاء والخطايا.

في السابع والعشرين من نوفمبر الماضي وقع إردوغان مذكرتي تفاهم مع رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الليبية بشأن التعاون العسكري وترسيم الحدود البحرية بين البلدين.

وهما المذكرتان اللتان يعرف من وقع عليهما أنهما مخالفتان أولا لاتفاق الصخيرات المؤسس للمجلس الرئاسي في ليبيا وثانيا لقواعد القانون الدولي ومع ذلك قد كانت الحماقة والغرور الإردوغاني دافعين للتوقيع.

فإردوغان يبحث عن موطئ قدم في جنوب وشرق المتوسط، حتى يتمكن من ممارسة بلطجته على اليونان وقبرص للفوز بنصيب من ثروات الغاز في شرق المتوسط، والسراج الذي يعلم أن هزيمته هو ومن يحتمي بهم من الميليشيات الإرهابية الممولة والمسلحة قطريا وتركيا باتت وشيكة، وأن طوق نجاته الوحيد هو الاستمرار في التبعية المطلقة والارتماء المذل في أحضان أنقرة والدوحة، وعلى هذا تكون مذكرتي التفاهم كوعد "بلفور" الذي أعطى فيه من لا يملك وعدا لمن لا يستحق.

واستثمارا لحالة وعد بلفور وعلى طريقة أصدقائه الإسرائيليين لم يكتف الموصوف بالحماقة المسكون بالغرور بهاتين المذكرتين فواصل البلطجة ليعلن استعداده لإرسال قوات إلى ليبيا إذا طلب السراج ذلك، ثم أعلن أن بلاده ستمنع عمليات التنقيب عن الغاز في الجرف القاري لها.

يعني كما يقول العوام في مصر " فيها لا أخفيها " إنه سلوك قطاع الطرق أو كما يقول العوام في مصر أيضا سلوك " شيوخ المنصر"

وشيوخ المنصر مصطلح عامي مصري أصيل أطلقه المصريون على سارقي حقوق الغير أو شهود الزور الذين يسعون بشهادة الزور إلى أكل أموال الآخرين، وقد ظهر هذا المصطلح بقوة في عهد الاحتلال العثماني لمصر، وهي في الأصل " شيوخ المنسر" ثم قلبت السين صادا لسهولة النطق.

و" مناسر الحرامية " هي جماعة من المسلحين راكبي الخيول كانت تستخدم قديما من كبار المسئولين لإعادة المسروقات في أوقات الفتن وشيوع الفوضى، والمنسر هو الفعل الذي يأتيه النسر بمنقاره أو الأثر الذي يخلفه عندما يخطف شيئا ما، وبمرور الوقت صارت علامة مسجلة للسارقين وآكلي أقوات الناس بالزور.

لكن وللحق فإن إردوغان ليس هو أول شيوخ المنصر العثمانين فقبله كان من هو أشد منه إجراما وأكثر منه بلطجة إنه سليم الأول الذي غزا مصر عام 923 هجرية 1517 ميلادية ويقول تاريخ شيخ المنصر الأول إنه وفي شهر جمادى الآخرة من هذا العام حبس ألفين من شيوخ المهن والحرفيين المصريين، وكذلك القضاة والأعيان وشيوخ التجار في الإسكندرية ليأخذهم معه إلى القسطنطينية، وكان قد نزع من بيوت مصر والقاهرة أثمن ما فيها من منقول وثابت حتى الأخشاب والبلاطات والرخام والأسقف المزيكة والأعمدة السماقية بإيواء القلعة ومجموعة المصاحف والمخطوطات والمشاكي والكراسي النحاسية والمشربيات والشمعدانات.

وأخذ شيخ المنصر الأول كل هذا إلى القسطنطينية ليبني المصريون ويؤسسوا مجد إسطنبول وتركيا الحالية.

إنه ذات السلوك الإجرامي وعلى طريق شيخ المنصر الأول يسير شيخ المنصر المعاصر.

وكما تدثر الأول برداء الدين وغلف جرائمه بفتاوى شيوخ البلاط، يتخفى الثاني خلف شعارات دينية ويسوق شيوخ الإرهاب للترويج لجرائمه والدفاع عن بلطجته.

يسير الموصوف بالحماقة نحو حتفه وطريقه بات مفتوحا للسقوط المدوي وما محاولات بلطجته وابتزازه إلا هروب إلى الأمام بعد أن تراجعت شعبيته وتآكلت شرعيته، وبعد أن كانت دولته تسعى لكي تصبح نموذجا في النمو والازدهار بتصفير المشاكل مع جيرانها والقوى الإقليمية والدولية باتت نموذجا للدولة المارقة المحكومة بسلوك الإرهاب ومنطق شيوخ المنصر.