تتصاعد الهجمات الإسرائيلية على مدينة النبطية، كبرى مدن الجنوب اللبناني، في خطوة يبدو أن الجيش الإسرائيلي يسعى من خلالها إلى إحداث ما يوصف بـ"الزلزال العسكري" في عمق محور جنوب لبنان، مستندا إلى الأهمية الجغرافية والعسكرية التي تتمتع بها المدينة، والتي تجعلها من أبرز نقاط الارتكاز في الجنوب.
وتقع النبطية على بعد نحو 15 كيلومترا شمال نهر الليطاني، وهو موقع يمنحها أهمية استثنائية على المستويات الإدارية والسكانية والاقتصادية، إذ تعد مركزا رئيسيا في المنطقة.
كما تبعد المدينة بنحو 30 كيلومترا عن الحدود الإسرائيلية، ما يجعلها نقطة وصل محورية بين المناطق الحدودية والداخل اللبناني.
وبحسب المعطيات الميدانية، فإن أهمية النبطية لا تقتصر على بعدها الجغرافي، بل تمتد إلى بعدها العسكري، نظرا لإشرافها على شبكة من الطرق الاستراتيجية التي تربط بين القطاع الشرقي والقطاع الأوسط من جنوب لبنان.
وتتيح هذه الطرق حركة تنقل وإمداد بين مختلف المناطق الجنوبية، ما يمنح المدينة ثقلا عملياتيا في أي مواجهة عسكرية تدور في المنطقة.
ويضاف إلى ذلك قرب النبطية من عدد من المرتفعات والمواقع المهمة، وفي مقدمتها قلعة الشقيف التاريخية، التي تبعد عنها نحو 8 كيلومترات فقط.
وتوفر هذه القلعة إشرافا ناريا وبصريا واسعا على مناطق جنوب الليطاني وشماله، الأمر الذي يرفع من القيمة العسكرية للموقع ومحيطه.
وتشير التقديرات العسكرية إلى أن أي ضغط إسرائيلي على محيط النبطية يهدف إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الميدانية، من أبرزها عزل المدينة عن القرى المحيطة بها، وتوسيع نطاق السيطرة النارية شمال نهر الليطاني، إضافة إلى فرض واقع ميداني جديد يحد من حرية الحركة في الجنوب اللبناني.
كما أن السيطرة على محيط النبطية أو الاقتراب منه تمنح أفضلية في مراقبة التحركات بين نهر الليطاني والمرتفعات الجنوبية، بما يتيح قدرة أكبر على متابعة خطوط الحركة والانتقال في المنطقة، وهو ما يفسر جانبا من التركيز العسكري الإسرائيلي على هذه المدينة خلال المرحلة الحالية.
وفي موازاة ذلك، لا يقتصر التركيز العسكري الإسرائيلي على النبطية وحدها، بل يمتد أيضا إلى مدينة صور، التي تعد بدورها من أبرز المدن ذات الأهمية الاستراتيجية في جنوب لبنان.
وتقع صور على بعد نحو 80 كيلومترا جنوب العاصمة بيروت، وتمتد على شكل شبه جزيرة داخل البحر الأبيض المتوسط، ما يمنحها موقعا جغرافيا مميزا. كما تبعد المدينة نحو 20 كيلومترا فقط عن الحدود الإسرائيلية، وهو عامل يضفي عليها أهمية عسكرية إضافية.
وعسكريا، يمنح موقع صور قدرة على الإشراف على الخط الساحلي لجنوب لبنان، ما يجعلها نقطة مؤثرة في حركة التنقل والاتصال على امتداد الساحل.
كذلك تعتبر المدينة عقدة مواصلات رئيسية تربط القرى الحدودية ومناطق جنوب نهر الليطاني بالعمق اللبناني، وصولا إلى صيدا وبيروت شمالا.
وتبرز أهمية صور أيضا من خلال دورها في ربط مختلف المناطق الجنوبية ببعضها البعض، ما يجعل أي استهداف لها أو لمحيطها ذا تأثير مباشر على حركة الإمداد والتنقل بين الجنوب والداخل اللبناني.
وفي هذا السياق، يبدو أن إسرائيل تسعى من خلال استهداف مدينة صور إلى إعاقة طرق الإمداد وتعطيل مسارات الحركة بين المناطق الجنوبية والعمق اللبناني، بالتوازي مع محاولة فرض واقع ميداني جديد يعزز من قدرتها على التأثير في مجريات الميدان.
وبين النبطية وصور، يتضح أن التصعيد الإسرائيلي يركز على مدينتين تشكلان ركيزتين جغرافيتين وعسكريتين في جنوب لبنان؛ فالنبطية تمثل عقدة ربط برية بين القطاعات الجنوبية المختلفة وتتمتع بإشراف على طرق استراتيجية ومواقع مرتفعة، فيما تمثل صور بوابة الساحل الجنوبي وعقدة مواصلات رئيسية تربط المناطق الحدودية بالداخل اللبناني.
وهو ما يجعل المدينتين في صلب أي تحركات عسكرية تستهدف إعادة رسم التوازنات الميدانية في جنوب لبنان وفرض معادلات جديدة على الأرض.