لمياء راضي
مراسلتنا الخاصة

ليلة الزحف على "الاتحادية"

قصر الاتحادية - أرشيفية

الأربعاء  05 ديسمبر, 2012 - 12:20  بتوقیت أبوظبي 

انطلقت المسيرة من أمام مسجد النور. شباب وشابات وسيدات ورجال من كل الأطياف والأعمار. وجوه كثيرة كان بينهم أول من نزلوا إلى الشوارع يوم 25 يناير، وآخرون ممن أطلق عليهم "حزب الكنبة" تركوا لأول مرة المشاركة عبر شاشات التليفزيون ليشاركوا فعليا.

سار الآلاف رافعين أعلام مصر وصور ضحايا أحداث العام الحالي يقولون "باطل" للإعلان الدستوري الذي أعلنه الرئيس محمد مرسي، ولمشروع الدستور الذي خرج ليحطم طموحات الثورة التي قاموا بها.

على جانبي الطريق اصطف العشرات يتابعون المشهد. رجال أمن يتابعون في هدوء ويمد إليهم أحد المشاركين بمنشورات عن الحرية فيأخذونها من يده لقراءتها. سيدة تشارك بالهتاف والتصفيق، ورجل يسب المتظاهرين ويحاول التعدي على أحدهم فيبعده أخرون، بينما سكان البنايات يلوحون من شرفاتهم بأعلام مصر.

في منتصف الطريق، وفي أماكن متفرقة، خرجت فجأة من بين المتفرجين سيدات بلباس شعبي تحث المسيرة على الرجوع وهن يصرخن "لا تكملوا.. الأمن يضرب من اقتربوا من القصر"، فيرد المتظاهرون بابتسامة أصحاب الخبرة "حيلة قديمة" ويمضوا في طريقهم.

عند القصر قابلتهم الأسلاك الشائكة، والحواجز النقالة الحديدية، وصف من جنود الأمن المركزي بلباسهم الأسود ودروعهم الشفافة.

إجراءات أمنية غير مسبوقة، حتى في عهد الرئيس السابق وفي أيامه الأخيرة في الحكم، اتخذت حول القصر منذ الليلة التي سبقت المسيرة.

آلاف الأمتار من الأسلاك الشائكة مدت لتخلق منطقة عازلة حول المحيط الواسع للقصر. وجدران سدت لأول مرة منافذ محطة الوقود التي خسر صاحبها عائدها منذ أغلقت قبل أكثر من 30 عاما لقربها من بيت حسني مبارك.

لحظة من التوتر والترقب. الجانبان يتساءلان عمن سيكون البادئ بالهجوم.

المظاهرة سلمية ولكن قد يأخذ الحماس أحد المشاركين أو يندس بينهم أحد مثيري الشغب أو "الطرف الثالث" الذي يلقى عليه باللوم في كل الاشتباكات دون أن يعلن أحد عن وجهه أو عن وفاته.

اقترب بعض المتظاهرين أكثر وانطلقت فجأة أربع أو خمس طلقات لغازات مسيلة للدموع نشرها الهواء في الجو.

بدأ بعض المواطنين في التراجع وهتف الشباب "اثبت...اثبت".

غطت سيدة متوسطة العمر فمها بطرف طرحتها وقالت وهي تسعل "يا إلهي هل هذا ما يستنشقه الثوار كل يوم" فيرد عليها أحدهم "أدمناه حتي أصبحنا نحتاج جرعتنا اليومية".

وفجأة اختفى الأمن. فتحوا الأسلاك الشائكة ورحلوا. طلقات الغاز كانت خطوة تكتيكية حتى يتراجع المتظاهرون بضعة أمتار فيرحل الجنود دون ان يقتحم المتظاهرون صفوفهم فتحدث اشتباكات.

أمضيت 16 عاما مراسلة معتمدة لدى رئاسة جمهورية مصر العربية. طيلة هذه السنوات التي كنت آتي فيها إلى القصر لتغطية زيارات رؤساء وملوك العالم إلى هذا المكان وأمر فيها عبر بوابات التفتيش لم يخطر على بالي أبدا أنني سأرى ما رأيته ليلة الزحف على الاتحادية.

عشرات الألاف من المتظاهرين يهتفون أمام أبواب القصر وتحت أسواره "ارحل" و"الشعب يريد إسقاط النظام".

في ثوان كانت الرسوم والشعارات قد غطت جدران الأسوار، بينما ضابط يتابع المشهد في هدوء من داخل القصر عبر الفتحة الضيقة المخصصة للقناصة.

عائلات تلتقط صورا تذكارية عند أسوار كانت تضطر عند الاقتراب منها إلى العبور إلى الجانب الأخر من الشارع خشية زجر ضباط الأمن.

حاول أحد المتظاهرين تسلق السور ليلقي نظرة فأنزله زميله خشية أن يعتقله الأمن أو أن يتسبب في اشتباكات. قال: "أريد فقط أن أرى قصرا مرة في حياتي"، لكنه يرضخ وينزل إلى الأرض.

أتذكر الرخام اللامع الذي يغطي الأرضيات، والزخارف عربية الطراز المحفورة على الجدران، واللون الذهبي الساطع البراق للوحة التي تحمل شعار "رئاسة جمهورية مصر العربية" في هذا الفندق الذي تحول إلى قصر رئاسي.

وعندما ظننت أن التصاق الشعب بجدران القصر هو أقصى ما كان يمكنني مشاهدته في حياتي، نصبت الخيام وبدأ الاعتصام.

تذكرت عندها يوما فتحت فيه زوجة الرئيس السابق الجناح المخصص لها ولزوجها في القصر لتراه قلة قليلة استطعت أن أدرج اسمي بينها.

وتساءلت هل سياتي اليوم الذي ينام فيه أحد المعتصمين في الخارج على السرير الوثير ذي الطراز الفرنسي؟

وأجبت على نفسي "كل شيء جائز، أليس من يجلس الأن على كرسي الحكم من كان في سجون الحاكم"؟ 

 

blog comments powered by Disqus